Yahoo!

الشكل الروائي المفتوح أم الفكر الروائيّ ؟

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 5 يناير 2011 الساعة: 19:03 م

 

البستـــــــان

 

 

الشكل الروائي المفتوح أم الفكر الروائيّ ؟

 

 

خليل النعيمي

 

 

*الشكل خدعة

 

 

   الأدب ليس خدعة ، أو هو، على الأقل، ليس خدعة شكلية. وحتى لو كان كذلك، فهذه الخدعة لن تمر، إذا لم تكن توحي بمنهج خدعتها، وطريقتها لتبليغنا ما تريد أن توصلَه إلينا. بمعنى آخر، إذا لم تُفْصِحْ عن تصوُّر خاص للعالم، وللكيفية الإنسانية التي تنتج الأدب، وضرورته. معنى ذلك، أننا سننتهي، أخيراً، إلى ‘الفكر’ الذي تحتويه هذه الخدعة، وتقوم عليه، والتي لم تعد خدعة تماماً.

 

    الشكل الروائي الذي لا يحوي فكراً جديداً (هذا إذا وُجد)، مثل غطاء من حرير يُوضَع على هيكل ميت، لا يُحْيي الهيكل، ولا يَحْميه من التَفَتُّت، وإنْ زَيَّنَه إلى حين. والبحث عن ‘شكل’ مثل هذا سهل وجذاب، والوقوع فيه في متناول الجميع ؛ لكنه، منذ أن يَتَغَلْغَل في بُنْية الكتابة الروائية، يجعلها خالية من الإحساس بالوجود، أو يُفَرِّغها من محتواها، حتى وإن أصَرَّ كاتبُه على تبنّيه والاعتزاز به ؛ لأن ‘حسن النيّة’ لا قيمة له في الإبداع.

 

* لغة الأشياء

 

 

   لغة الأشياء هي التي تمنح الكلماتِ أبعادَها الميتولوجية. والأشياء ليستْ بلا معنى، ولا فكر لها، كما يمكن لنا أن نظنّ. فهي ليستْ شكلاً فقط ، ويمكن لها أن تكون مصدرَ معرفة، وفنّا، أيضاً. والكاتب الذي يُنْهِك نفْسَه في البحث عن ‘أسطورة اسمها الشكل’، لن يغمط يغفل عن الكائنات حقها فقط ، وإنما يغفل عن الأشياء، قبل كل شيء. وهو، في هذه الحال، لن يساهم في عملية إبداع الحياة التي لا تقوم على الاستيهام، وإنما على المعرفة ؛ على معرفة عميقة تتطلّب جهداً كبيراً، والتي سيكون لها، منذ أن يتمخّض النص عنها، دور أساسيّ في الوجود، كما في الكتابة.

 

    الشكل لا ينتج فناً ، وليس صحيحاً أنه يَخْـلُق فضاءه الخاص. بمعنى أنه يمكن أن يكون، هو، نفْسُه، معيارَ نفْسِه ؛ لأنه بحاجة دائمة إلى ‘فكر’، أو ‘فكرة’، أو ‘جوهر’ يستند إليه، وعليه. ولكن لِمَ الخوف الذي يكاد أن يكون، اليوم، شعوراً معمماً، في الفضاء الثقافي العربي: الخوف من الاعتراف بأن الإبداع فكر، وموقف، أولا، وله، بعد ذلك، أن يرتدي الشكل الذي يلائمه. ونحن نعرف أن ‘الموقف الإبداعي’، مهما كان متطرفاً، ليس حركةً استفزازية عارضة. وإنما هو ‘شأن اجتماعيّ’، ولو تَحَمَّس له فرد واحد فقط.

 

*الحقيقة ليستْ شكلاً

 

    نحن نكتب لنتغيّر؛ لنتغيّر جذرياً، لا شكلياً. ولنا أن تَبَنّي، أو نواجه، أي منظور، أو فكر، أو نزعة، أو ‘وضع’ مهما كلفنا الأمر. وليس علينا أن ننسحب من ‘المواجهة’ بحجة أن ‘موقفاً’مثل هذا ليس من شأن الأدب، أو لأسباب أخرى كثيرة.

 

    نحن نعرف أن الأسبابَ، مهما كانت حصيفة، تبقى ذرائع لا أكثر ولا أقل. وهي لا تخدع أحداً، ولا تُقْنِع. وفوق ذلك، فإنها لن تغيِّر ‘طبيعةَ الشيء’ لأنها غيرُ فاعلة. وليس لها بُعْد فني مُحَرِّض، وإنما دور اجتماعي مستقِـرّ، وغيرُ مُجْد ٍ، إنْ لمْ يكن خطيراً.

 

   ونعرف أيضاً، أننا عندما ندير ظهورَنا لمعطيات وجودِنا الأساسية، لا يمكن للأدب الذي ننتجه إلا أن يكون ‘شكليا’. وهو سيكون فوق ذلك في خدمة الطغاة. ولا مبرر تاريخياً لأدب مثل هذا، مهما اتسم بالفنية، ووجد الكثيرَ من القراء.

 

*الرواية فن الكذب

 

    الرواية فن الكذب. والكذب ليس شكلاً، كما يمكن لنا أن نعتقد لأول وهلة، وإنما هو ‘فكر’. إنه خلق وتصوّر آخر للذات وللوجود، حتى لو لم نُصدِّقْه. وهو ، في حالته الروائية، يكاد يكون أحياناً ثورياً، وحقيقياً، أكثر من ‘حقيقة المجتمع’ الذي نستجدي إعجابه، ولا نحظى به.

 

   والمجتمعات المتزمتة، مثل مجتمعاتنا العربية، بحاجة إلى حقيقة أخرى مزعجة تناقض حقيقتها، وتلغيها إذا استطاعت. والروائي الذي هو ‘ضمير المجتمع’، جدير بذلك. لكن ذلك’ ليس من مهمات الشكل الروائي، وإنما من مقتضيات الفكر، وتأثيراته. الفكر الذي يتَجَسَّد في النص الروائي، ويَتَحَوَّل إلى تصوُّر آخر للعالم وللحياة.

 

   مواجهةُ الأخلاقِ العربية المستكينة بنقائضها، إذن، والقيمِ المتخلفة والرجعية بما تستحق من إنكار ورفض حتى لو كانت فائقة َالثروة، والشكلِ الحكائي المبتذل بفلسفة جديدة منفتحة وجذرية، ومواجهةُ القمعِ المنتِج للإحباط العربي المعمم، الآن، ذلك هو المطلوب من الرواية العربية. وليس اللُّهاث خلف ‘أشكال حكائية’ لا دَوْر تاريخيّاً لها.

 

لرواية لا شكل لها

 

    وعظمة الرواية كلها، تنبع من الأفكار التي تحتويها، لا من الشكل الذي ترتديه. وفي النهاية نحن نخلق أشكالاً لأفكارنا وليس العكس. لكن الغرب الذي يعيش، اليوم، حالةَ جفافٍ تام، تقريباً، من الأفكار الإنسانية الكبرى، لأسباب كثيرة، كُتّابُه هم الذين بدؤوا يلجؤون إلى ‘حياتهم الفقيرة’ بالمشاعر والأحاسيس والمعاناة ليجعلوها موضوعاً لكتاباتهم اليابسة. وهم الذين ابتدعوا ‘لعبة الشكل’، هذه، وما تَلاها.

 

    والمؤسف أن العرب الذين يعانون، حتى الآن، أقسى المآسي الإنسانية، فهم الشعب الوحيد على سطح الكوكب الأرضي الذي لا زال مستعْمَراً في جزء منه، وبطريقة ‘استعمارات’ القرن السادس عشر الهمجية بكل حماقتها وعنفها واختزالها للإنسان، مع أن هذا النوع من الاستعمار قد اختفى من على سطح الكرة الأرضية منذ عقود وعقود، أقول، من المؤسف أن العرب نتيجة لاستلابهم العميق بالفكر الأوروبي الذي أصبح بائساً وارتدادياً، انحازوا بشكل آليّ، أو غير مبدع، إلى فعل ما يفعله ‘الآخرون’ ممّنْ لا زالوا يعتقدون، خطأ، بتفوقهم وإبداعهم .

 

*القطيعة

 

    الروائي عندما يكتب، يسأل. وهو عندما يسأل يكون قد درس، وتعمّق، وقَبِل ، ورفَض، ما لا يتوافق مع مزاجه وآرائه الشخصية. وسؤالُه، في هذه الحال، ليس ‘سؤالَ الحَيْرة’، وإنما هو ‘سؤالُ الإدراك’. إنه ‘سؤال الفكر’ الجديد الذي يخلقه النص، أثناء خلقنا له. فالكاتب ‘عَبْر إنشاء النص الروائي’ يكتشف الخَلَل المرعب في

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أحمد شوقي روائياً

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 28 ديسمبر 2010 الساعة: 15:33 م

البستـــــــــان

  

أحمــد شوقــي روائيًّــا

 

إمعاناً في تأمل العدالة الاجتماعية

 

د. صـلاح صـالح

 

 

      قلائل أولئك الذين يعرفون أن أحمد شوقي الذي أُنعِم عليه بلقب «أمير الشعراء» قد كتب رواية اسمها «عذراء الهند» نُشِرتْ طبعتها الأولى أواخر القرن التاسع عشر «1897»، وأعاد الباحث الدكتور أحمد إبراهيم الهواري نشرَها بعد أن حققها وصدّرها بدراسة تندرج ضمن مشروع طموح ، يمكن أن نسميه مشروعاً إحيائيّاً لمرحلة التنوير العربي . وقد دأب الدكتور الهواري على متابعة مشروعه من خلال انقطاعه إليه دون سواه عبر عقود رسّخته عالماً مستغرقاً في موضوعه إلى درجة الرهبنة.‏

 

    و»عذراء الهند» ليست رواية شعرية تشبه المسرحيات الشعرية التي كتبها أحمد شوقي، بل هي رواية نثرية، تشبه فيلماً هنديّاً نمطيّاً، ولو لم يكن تأليفها ونشرُها قبل ولادة السينما الهندية لذهب الظن إلى أنها رواية منقولة عن فيلم هنديّ، ويمكن للظن أن يذهب عكس ما سبق، بحيث تكون رواية شوقي هي أبرز المرجعيات التي استمدت منها السينما الهندية قصص مغامراتها: «وقد عمد في طريقه لحجر كبير فأزاله عن موضعه، ثم نزل من ذلك الموضع مختفياً فأسرعوا نازلين على آثاره، وإذا هم بسرداب ضيق أسود حالك، تشفق الحشرات منه أن تتخذه مسالك. فما زالوا يزحفون حتى عبروه. وكانت في آخره نافذة ضيّقة فوثب اللص منها،‏ ووثب الأمير وصاحباه على أثره، فإذا هم على قمة عامود ضخم عظيم الارتفاع» «الرواية ص 168».‏

 

    إن مجرد وقوع أحمد شوقي على الهند موطناً للعذراء التي اختارها عروساً لأحد الفراعنة الأفذاذ يثير لبساً لا يتفسّر بالعلاقة الوطيدة التي جمعت مصر والهند في طليعة ما سمي «دول عدم الانحياز» بقيادة عبد الناصر ونهرو، فالشقة الزمنية كبيرة بين زمن كتابة الرواية والعلاقة المشار إليها. ويمكن أن يتفسّر بعضه بكون الهند في تلك الآونة غارقة في غلالات متراكبة من الغموض الذي أنتج سحره الخاص القادر على مداعبة المخيلة وإغوائها بمضاعفة نشاطها لاستجلاء المخفيّ ؛ فقد أُثر عن جبران خليل جبران أنه تمنى لو كان قد وُلد في الهند بسبب استغراقها في كل ذلك الغموض الآسر، قبل أن تكشف وسائلُ الاتّصال الحديثة حجمَ البؤس الفظيع الذي تنتجه الهند، وتنوء بثقله إلى حد القدرة على تصديره، وجعله معياراً للمقايسة. غير أن الأهم في طريقة بناء الرواية، وجعل الهند القديمة فضاءها المكاني، بالاقتسام مع الفضاء المصري يرتد إلى انتهاج أساليب التأليف النثري العربي التي اعتمدها شوقي، وخصوصاً كتب المقامات التي ترسّب منها في «عذراء الهند» عباراتها المسجوعة، و»ألف ليلة وليلة» التي استصدر منها شوقي فضاءه التخييلي، وخصوصاً تلك الحكايات والأنساق المخصصة لمغامرات شخصياتها الفذّة التي دأبت على اقتحام المجاهيل الأرضية، والـ «تحت أرضية» وصولاً إلى أقاصي الواقع، وأقاصي الخيال على حد سواء، وهذا ما نسميه من غير تحفّظ بدايات «الأدب الاستكشافي»، ويُضاف إلى ذلك أن العالم الهندي بامتداداته جميعها جغرافياً وبشرياً، كان ماثلاً تحت الغطاء الثقافي العظيم الذي مثّلته «ألف ليلة وليلة» بوصفها منتجاً ثقافيّاً عربياً، على أساس الصياغة العامة، والكينونة اللغوية المؤسسة للعمل، لا على أساس أصل المؤلف، أو المؤلفين، أو النويّات الأولى التي انطلق منها العمل. فمن المرجّح الذهاب إلى أن أحمد شوقي قد قلّد ذلك، أو انتهجه، قبل أن يقحم فيه فرعونه الشاب المغامر.‏

 

     تجري أحداث الرواية في إطارها الفرعوني القديم، وقد أرفق شوقي عنوانها بعنوان آخر مطروح على سبيل التخيير، لا على سبيل التوضيح هو «تمدّن الفراعنة» ؛ إذ جاء على غلاف الطبعة الأولى: «رواية عذراء الهند أو تمدّن الفراعنة لمنشئها الضعيف أحمد شوقي أحد موظفي الديوان الخديوي» والواضح أن اختيار الهند موطناً للعذراء المنتقاة زوجة للفرعون المصري مع اقتران الاختيار بالإشارة الصريحة إلى تمدن الفراعنة يمكن ردّه إلى أمرين: يتمثّل الأول بإبراز المفارقة بين التقدم الكبير الذي كانت تعيشه مصر والتخلف الذي كان قائماً خارجها ممثلاً بالهند التي تعدّ في هذه الحالة تمثيلاً لمعظم الشرق الشاسع، أو لجميعه ، ويتمثّل الثاني بما كان يستثير طموحَ بعض المثقفين المصريين ويستثير أحلامَهم وخيالهم، بخصوص إمكانية قيام إمبراطورية مصرية ذات جذر فرعوني حصراً، قادرة على إخضاع معظم العالم لنفوذها، وخصوصاً أفريقيا وآسيا، وجاء اختيار الهند موضوعاً وجهةً لذلك الطموح على أساس أن إخضاع أفريقيا للإرادة المصرية كان تحصيل حاصل قائم في التاريخ القديم، والقرن المرتهن بفترة محمد علي وأخلافه، بينما بدت آسيا، بما في ذلك غربها العربي محطّاً لأنظار ذلك الطموح.‏

 

    لا تقوم هذه القراءة على أساس العنوان وحده بطبيعة الحال، فالنص يأتي على ذكر ذلك من غير مواربة، وتأتي عليه أيضاً الحملات العسكرية ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

علي كنعان في مرآة صبحي حديدي

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 26 ديسمبر 2010 الساعة: 12:49 م

البستـــــان

 

معادلــة الشاعــر الســوري علــي كنعــان 

وطأة البراءة الرعوية وخزين البراعة الشعرية

 

صبحي حديدي

 

 

 * إضـــــاءة :

 

   من المعروف أن الشاعر علي كنعان هو أحد الأصوات الشعرية المتميزة في سورية والوطن العربي ، ولكنه ، مع ذلك ، لم يحظ بدراسة منصفة تقف على خصوصية نصه الشعري ، وتضع يدي القارئ على ما أضافه إلى قصيدة الستينيات في سورية على صعيدي المتن والمبنى معاً ، وأظن أن ما كتبه الأستاذ صبحي حديدي في مقاله ، الذي ننشره في مدونتنا اليوم ، يرفع الحيف الذي أحاق بالشاعر ونصه في المدونة النقدية العربية ، ويقول كلمة حق في مُنجَزه الإبداعي ، ويُعيد رسمَ خريطة المشهد الشعـري الستيني في سورية ، مموضعا رحلة الشاعر في هذه الخريطة ، ومتحدثاً عن أهم مناحي الإبداع وتجلياته في شعريته ودلالاتها .

 

* نص المقال :

 

 

   على الغلاف الأخير لمجموعة علي كنعان الأولى ‘درب الواحة’، التي صدرت عن وزارة الثقافة السورية سنة 1966، كتب الناشر: "هذه محاولة لشاعر ناشئ. ومع ذلك فقد حققت ما يعجز عنه كبار الشعراء. إنّ علي كنعان يلتزم دون أن يفقد الشعر فنّيته، ففكرته لها لون وطعم ورائحة. إنه يعرف كيف يحوّلها إلى جزء لا يتجزأ من حياته، فهي تعيش في أحاسيسه، وأخيلته، بين تقاليد بيئته وعاداتها، تصبح حباً عندما يحبّ، وثورة عندما يثور، وشفقة عندما يشفق. لمسات ناعمة لطيفة ـ صور أثيرية أو تكاد ـ وبذات الوقت مسيرة ملحمية من الماضي إلى المستقبل، من الميلاد إلى البعث الكبير. إنه يطوّر عمود الشعر دون أن يقوّضه، فهو ثورة من الداخل تحفظ وتجدد، تنمّي دون أن تقهر، تتمرد دون أن تحطم".

 

   والحال أنّ صاحب هذه الكلمة لم يكن سوى المفكّر السوري الكبير أنطون مقدسي (1914 ـ 2005)، الذي كان آنذاك يشغل منصب مدير التأليف والنشر في الوزارة، وكان العرف يقتضي أن لا يوقّع باسمه. بيد أنّ زملاء كنعان، وغالبية الكتّاب والمثقفين السوريين في تلك الحقبة، كانوا يعرفون أنّ مقدسي هو الذي كتب الكلمة. وكان المفكر الراحل يعرف أنهم سوف يعرفون، وبالتالي كان ثمة قيمة خاصة في تأكيده بأنّ هذا الشاعر الناشىء قد حقق ما يعجز عنه كبار الشعراء. ورغم أنّ مقدسي كان منحازاً إلى المقاربة الانطباعية في قراءة الشعر، إلا أنه أشار إلى جانبَيْن ملموسين في تفوّق كنعان: شاعر ملتزم، ولكنه لا يفقد الشعر فنّيته؛ وشاعر يطوّر عمود الفراهيدي، دون أن يقوّضه.

 

   لكنّ تلك المجموعة الأولى كانت متميزة لأسباب أخرى لا تخصّ المحتوى والشكل، فحسب؛ بل لأنها، أيضاً، كانت تطرح مقترَحاً شعرياً متعددة الأبعاد، أو تعددي السمات إذا جاز القول، على جيل شعري كان في الأصل متشعب التجارب ومتنوّع التيارات والميول، لكي لا يتحدّث المرء عن تصارع الأشكال والأساليب، في غمرة تعايشها وائتلافها. كانت الحقبة تلك، مطالع وأواسط الستينيات، تضمّ علي الجندي (الذي انتمى إلى المجموعة رغم أنه كان يكبرهم سنّاً ومراساً ونشراً، إذْ صدرت مجموعته الأولى ‘الراية المنكسة’ سنة 1962، وسبقتها سنوات من النشر في دوريات أدبية سورية ولبنانية)؛ وممدوح عدوان (’الظلّ الأخضر’، 1967)، وخليل الخوري (’حبات قلب’، 1961)، وفايز خضور (’الظلّ وحارس المقبرة’، 1966)، بالإضافة إلى الشاعر الفلسطيني فواز عيد (’في شمسي دوار’، 1963).

 

   وفي ظنّي أن إرث الإسهامات الأغنى لتلك المجموعة من الشعراء كان قد ابتدأ من نجاحهم في إقامة الصلة الحداثية، بمعنى التحديث المعمّق في الشكل مثل الموضوعات، بين حلقة عبد الباسط الصوفي وسليمان العيسى وشوقي بغدادي، حيث هيمن شكل ‘الشعر الحرّ’ أو التفعيلي الذي لم يكن يخرج جذرياً عن عمود الخليل، أو يدور حول تقطيع العمود طباعياً دون المسّ ببنيانه في الجوهر؛ وحلقة الثلاثي علي الناصر وأورخان ميسر وخير الدين الأسدي، حيث النماذج الأبكر من قصيدة النثر السورية، والميول السوريالية؛ والحلقات المنفردة كما مثّلتها تجارب نزار قباني ومحمد الماغوط.

 

    المستوى الثاني العميق في إسهامات الجندي وكنعان وعدوان والخوري وخضور وعيد، وعدد من الشعراء سواهم، وإنْ بدرجات تتفاوت بالطبع (وأجدني أخصّ بالذكر الشاعر الكردي الراحل حامد بدرخان، الذي كتب قصيدة نثر ثورية الشكل والمحتوى، تعتمد فصحى خاصة من طراز بكر وعالي الإيحاء)، هو أنّ إقامة تلك الصلات الحداثية كانت تتمّ والشعراء على وعي تامّ بمقدار الضغوطات التي كانت القصيدة العمودية السورية تمارسها على الذائقة العامة؛ سواء على يد مجايلين من أمثال وصفي القرنفلي وحامد حسن وسعيد قندقجي وعبد الرحيم الحصني، أو مخضرمين وأصحاب سطوة من أمثال عمر أبو ريشة وبدوي الجبل ونديم محمد من جيل الكبار السابق.

 

    وأمّا في الخيارات الأسلوبية فإنّ ‘درب الواحة’ اقترحت الالتزام بنظام التفعيلة عموماً، ولكن ضمن تنويعات مفتوحة من حيث أنواع التفاعيل، وأنساقها، وما تنتظم فيه من تشكيلات إيقاعية، سواء على نطاق المجموعة بأسرها، أو على مستوى القصيدة الواحدة. وكنعان، في قصائدها، يتنقّل بين تفاعيل الرمل أو الكامل أو الخفيف أو المتقارب أو الرجز، بارتياح بالغ وسلاسة عالية، دون كبير إثقال أو تكلّف أو رتابة، ودون نشاز أو تنافر أيضاً. كذلك فإنّ التنويع في مخططات التقفية كان يسبغ طابعاً انسيابياً على حركة التفاعيل، ويمنح القصيدة شخصية موسيقية ديناميكية لافتة، وجذابة، ومجددة.

 

    في المحتوى كانت موضوعات المجموعة تبدأ من الهواجس المحلية، ثمّ تنتقل إلى القضايا الوطنية (أو القومية، بلغة تلك الأيام)، ولا تغفل التوقف عند المسائل الإنسانية الكونية، من جهة؛ كما أنها تنبثق من هموم الذات، وتنكبّ على مشاقّ الروح، وترتدّ إلى نوازع الوجود ومعضلات النفس، من جهة ثانية. والمجموعة، كما سيلاحظ القارىء، تنقسم إلى خمسة أبواب، تسير عناوينها هكذا: ‘درب الواحة’، ‘بدوي في دمشق’، ‘رؤى غائمة’، ‘ظلال الغيوم’، و’أغنيات للصيف’.

 

    ولكنّ أشغال هذا الفتى البدوي في هبوطه إلى المدينة الكبرى دمشق، وفي شتى رؤاه وأغنياته وظلاله وغيومه، لا تتمحور أوّلاً حول صدمة المشهد أو جرح الاغتراب أو نوستالجيا البراءة الرعوية، كما يُنتظر عادة من تنميط شائع كهذا. إنها، منذ أولى القصائد في الواقع، تذهب إلى معركة استقلال الجزائر، و’تنّور أوراس الفائر’، وميلاد نسر ‘يحضن حلمه فوق الذرى’… وأمّا في المرحلة التالية مباشرة، فإنّ الفتى يلتفت إلى محيطه، وضيعته التي بلا نسور، حيث اليأس شرّش في الجوانح، فيصعد الهاجس الطبقي إلى السطح، ويختلط بمزاج صراعي نيتشوي تارة، ورثائي عدمي طوراً، دون أن يغيب التوتر الملحمي أو الشجن الغنائي.

 

    وهذا الفتى البدوي يستدعي، من كلّ حدب وصوب، الشخوص والرموز والأساطير التي تغذّي رؤاه المتعاقبة، أو تخمدها، أو تشدّد احتقاناته إزاء عوالم هنا، أو تفجّر حنينه إلى عوالم هناك… ثمة أسماء كاليغولا وشمرا ونيرون وهيلين والأخضر العربي وشمشون وزنوبيا والسندباد وأوديب ويسوع ومريم العذراء وموسى، ضمن مشهديات تحفل بكادحين وثوّار وسجناء وفقراء وأطفال وموتى، في أماكن مثل قاسيون والقادسية واليرموك وصنعاء وبردى وبيت لحم… ‘يضيع العمر أوجاعاً وأوهاماً كلَيْلِ الشعراء’، يقول البدوي وهو يحمل في قلبه ‘عذاب البشريّة’ وفي عينيه ‘دموع الأنبياء’: ‘قلبه ناقوس ديرٍ ما تبقَّى/ فيه من مجد التراتيل القديمة/ غيرُ ألحان جنازة!’.

 

    وليس بغير أسباب وجيهة، تخصّ جدل تطوير المقترح الشعري الذي انطلقت منه تجربة كنعان الشعرية الشخصية، أو تخصّ تطوّرات المشهد الشعري السوري استطراداً، أنّ الكثير من خصائص تلك المجموعة الأولى سوف تتواصل، وسوف ترتقي، في قصائد المجموعة الثانية، ‘أنهار من زبد’، 1970. هنا يتابع البدوي الحملقة في صورته وهو يغترب عن أخلاقيات المدينة، أو ينكسر على تخومها، أو ينأى أبعد فأبعد إلى هوامشها، دون أن يتحرّر البتة من مرارات هذه الحال، ولكن دون أن يفقد نبرة السخط أو السخرية أو الكشف أو الرثاء أو تمزيق الأقنعة عن وجوه المدينة. إنه فارس الزبد الموزّع على ضمير المتكلم مثل ضمير المخاطب، وهزائم جيله لا ترتدّ إلى التتار والمغول والفرس واليهود فحسب، ولا تشمل بغداد مثل دمشق وحدهما، لأنّ ‘يوسف الغربة’ و’يعقوب الكآبة’، فضلاً عن سيزيف ويوليس وبنلوبي وفاوست وشهرزاد والأعور الدجال وبلاط المأمون وأزدشير وهابيل ويهوذا… كلّها مكوّنات تتكاتف لصنع مشهدية الخراب العميم.

 

    وكما يليق بجرح رومانتيكي نرجسي يُثخن بدوياً نبيل الحساسية ومُثْقَل الروح، مغترباً في حاضرة كبرى، ومنتمياً في الآن ذاته إلى فكر سياسي تختلط في تبشيراته أوجاع الطبقة برسالة خالدة تروم بعث الأمّة من الرماد؛ أتاحت هذه المجموعة صعود شعرية وجدانية رهيفة تقارع قبح العالم الخارجي في ميدان المخيّلة. معادلاتها تنكفىء بشاعرها إلى داخله ودخيلته تارة، أو تخرج به إلى رابعة النهار، ثائراً ساخطاً حزيناً طوراً، يهجو ‘فرسان الطواحين’ و’طبول العصر’ وزمن ‘الكلام الزئبقي’ و’مدينة كلبية’، و’جيفة أفعوان تجرّها النمال’،

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تنصيب سعيد عقل

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 10 ديسمبر 2010 الساعة: 09:22 ص

 

البستـــــان

 

 

تنصيب سعيد عقل

 

 

عباس بيضون

 

 

 

    سعيد عقل يرفع الستار عن تمثال سعيد عقل، ليس أليق من هذه العبارة بسعيد عقل، سعيد عقل ينصّب نفسه. هذا ما كان الرجل يضمره في أحاديثه وهو الآن ينفذه بالحرف. سعيد عقل يرفع الستار عن تمثال سعيد عقل بحضور سعيد عقل وبرعاية سعيد عقل كلي الطوبى كلي الحضور، انه سحر الرجل ، لكن الشاعر الذي ظل يقرأ نفسه وينقدها ويقدمها بدون حرج لم يلعب في الشعر إلا بمقدار. لقد وفر ألاعيبه للسياسة بالدرجة الأولى، تصنيم لبنان ونزع العربية عنه لغة وسياسة وتاريخاً.

 

   يمكن القول عن سعيد عقل انه يميني محافظ في كل شيء. في السياسة هو وطني متعصب أما في الشعر فهو ينيط بالشعر الوظيفة التي طالما أنيطت به: خدمة الأخلاق وتجميل العالم، ويجعل القسمة بين شعر ونثر خالصة ونهايته فثمة ألفاظ للشعر وأخرى للنثر. وثمة موضوعات للشعر وأخرى للنثر ، في كل ما يقوله سعيد عقل عن الأدب وسواه لا نعثر إلا على اليمينية والمحافظة. لكنه مع ذلك كان المجدّد الأول في الشعر بل انه طبع بشعره مرحلة انتقال كاملة في الأدب العربي الحديث. وتفرّد بين أقرانه أثراً ونظرية بهذا الدور بل انه اضطلع بجزء هام من السجال العربي حول الشعر. ويمكن القول إنه مهّد على نحو ما للقصيدة الحديثة التي لولا اختباراته لم تجد طريقاً إلى الظهور. وإذ لم يكن الوحيد بين رواد التجديد آنذاك ولم يكن المنظر الأوحد ولا الثائر الفرد فهو من هذه الناحية لا يقارن بجبران والمهجريين إلا انه سلك الطريق الأصعب.

 

   لم يتجه سعيد عقل إلى التبسيط في الشعر ورده إلى الغناء البحت كما فعل المهجريون، ورغم سعيه إلى نزع العربية لم يثر على اللغة العربية وهو يزاولها. نعم دعا إلى العامية لكن عربيته بقيت مع ذلك كلاسيكية ناصعة، في عربيته بقي سعيد عقل كلاسيكياً بل ربما لا نجد مصداقاً للفظ الكلاسيكية كما نجده في انطباقه عليه. ها هو سعيد عقل مترصن بل محافظ حتى في تجديده، لم يتجه إلى تغيير وجهة الغناء في القصيدة العربية ولا إلى تغيير الغناء نفسه. لم يتجه بالغناء إلى أن يكون أكثر مسايرة لزمنه أو لعصره، ولا أن يكون أكثر مسايرة للمتعلمين الجدد والجمهور الذي حصل من ديموقراطية التعليم.

 

   لم يكن لتجديد سعيد عقل عنوان كبير، لذا يبدو الآن أن هذا التجديد لم يكن مقصوداً لذاته. إذ انه لم يكن أساساً برسم التجديد ولا تقصداً له، فالرجل الذي غلبت المحافظة على طبعه لم يكن من هؤلاء الذين يغويهم التجديد أو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عن الرواية و التاريخ

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 24 نوفمبر 2010 الساعة: 17:59 م

 

 

البستـــــان

 

 

عن الرِّواية والتاريخ

 

*جابر عصفور

 

 

* إضـــــاءة :

 

      في ظني أنه ليس هناك من سياق تاريخي "حقيقي " يمكن أن يُستدعَى ، في الوقت الحالي ، للاستعانة به في تشكيل النص الأدبي ، وإنما هناك سياق تاريخي متخيَّل يمر عبر ذات محددة ، ويخضع خلال مروره في منظور هذه الذات للتأويل وإعادة التشكيل والتبئير ؛ بحيث يمكن أن تتغير الواقعة التاريخية الحقيقية ، وتمَوضَع في السياق الذي تعالقت معه ، وتكتسب خلال مرورها في " قناة الذات " شكلا " ذاتياً " محدداً يخرجها من الإطار الموضوعي الذي حدثت فيه ، ويكسبها دلالة مغايرة نتيجة لتفاعلها مع هذه الذات ؛ ولذلك ليس هناك تاريخ حقيقي معزول عن تفسير البشر له ، وإنما هناك وقائع تاريخية تمر عبر ذوات البشر مهما كان مستوى الوعي الذي يتسلحون به في قراءتهم لهذه الوقائع ، أو المناهج التي يتكئون عليها في تفسيرهم لها .

 

وأظن أن المؤرخ مهما كان موضوعياً في قراءته للوقائع التاريخية الخام فهناك قدْرٌ من الذاتوية في تفسيره لها أو قراءته إياها .

 

     وما يميز المؤرخ من الأديب في قراءتهما للوقائع التاريخية عموماً ، في رأيي ، أن المؤرخ يحاول ردم الفجوة ، بين الوقائع التاريخية والسياق الذي حدثت فيه ، وتقريب المسافة بينهما إلى الحد الذي يقربه من الموضوعية ، أو ما يظنه موضوعياً ، ولكن يبقى هناك مقدارٌ من الاجتهاد في ذلك ، ومقدار من الرأي الشخصي أو التفسير الذاتي ، بدليل أن كثيراً من الوقائع التاريخية المعروفة يجري بحثها اليوم بوصفها " حقائق " قابلة للأخذ والرد والتفسير من جديد ، كما يفعل كثير من المؤرخين المعاصرين ، أما الأديب فقد يكون له رأي وأسلوب مغاير في ذلك يبعده عن صنيع المؤرخ المعني بتفسير الوقائع ، ويضعه في خانة الكاتب الذي يضع عيناً على الوقائع التي حدثت وعيناً أخرى على ما يُظن أنه استمرار لها في عصره ، وهذا ما نجده في نتاج كتاب كبار من أمثال صنع الله إبراهيم أو جمال الغيطاني أو غيرهما ممن لم يكن همهم المحافظة على روح التاريخ وحرفية وقائعه بقدر ما كان همهما الإجابة عن سؤال مهم : لماذا حدث ما حدث بهذا الشكل دون غيره وفي سياق محدد له هوية خاصة به ؟

 

* نص المقال :

 

     التاريخ سردٌ لأحداث الماضي التي وقعتْ، وتسجيلٌ لأحداث الحاضر التي تقع لكن المؤرخين، عادة، يؤثرون الماضي على الحاضر في مدى الكتابة، ذلك لأن معنى الحاضر لا يكتمل إلا بعد أن تنغلق دائرة أحداثه فيصبح ماضياً، فضلاً عن أن درس الماضي وتحليل تياراته يؤدي إلى فهم توجهات الحاضر من ناحية، ويكشف حقائق الماضي على ما يراها المؤرخ، أو يحاول أن يراها، معتمداً على الوثائق والوقائع في رواياتها المتباينة والمتضاربة، من ناحية موازية، مستخرجاً ما يراه أقرب إلى المعقولية والتصديق بأقصى ما يستطيعه من الموضوعية المنهجية، هذه الموضوعية المنهجية لا تجعل من التاريخ «فناً» يخضع للأهواء الذاتية أو المصالح الإيديولوجية للأفراد والجماعات التي تحيل التاريخ إلى وعي زائف بالماضي والحاضر على السواء، وإنما تجعل التاريخ «علماً» بالمعنى الذي يتمايز به مفهوم العلم في العلوم الإنسانية وكما يراه بعض فلاسفة العلم، فإن معنى العلم في العلوم الإنسانية يلازم حقيقة أن ذات الباحث هي بعض موضوع البحث بمعنى من المعاني، وذلك على نحو لا يحدث في العلوم الطبيعية التي تنفصل ذات الباحث عن موضوعها، وتستقل عنه على نحو لا يحدث في العلوم الإنسانية التي تغدو الذات أسيرة عدساتها الإيديولوجية ومواقفها الفكرية والسياسية والضغوط الواقعة عليها دينياً أو سياسياً أو اجتماعياً ولذلك لابد من الإلحاح على توافر عنصر الموضوعية المنهجية في العلوم الإنسانية، لا لإلغاء علاقة الذات بالموضوع، بل لضبط خطواتها المنهجية، والسيطرة على الأهواء، ووضعها نفسها كموضوعها ومعطيات درسها موضع المساءلة الدائمة التي تبدأ من المعطيات، خصوصاً من منظور استنتاج علاقات سببية بين هذه الوقائع في مدى تفسيرها.

 

     أما الرواية فهي سرد تصويري، رمزي بالضرورة، لأحداث التاريخ الماضي، وذلك من خلال وجهة نظر لا تفارق الذاتية في تشكيلها، ويهيمن الخيال الروائي على تخليق علاقات جديدة بين الأحداث، أو يخلق شخصيات وأحداثاً لا أصل لها من الواقع التاريخي الحرفي ويتبع الخيال، في فعله الابتكاري، رؤية المبدع الروائي للعالم وجوداً وعدماً، متسقاً معها في نتائجه، ومجسداً قدرته الخاصة في خلق خصوصية العمل الذي يصوغه مستهدياً بهذه الرؤية، خصوصاً في مدى تركيب وترتيب الوقائع الثابتة بما يعني، أولاً، إعادة إنتاجها إبداعياً، ويعني، ثانياً، إقامة علاقات بين هذه الوقائع والشخصيات التاريخية الفاعلة لها وشخصيات ووقائع لا أصل لها من الواقع التاريخي، ولكن لها وظيفة فنية في بنية السرد أو القص، خصوصاً من منظور قدرتها على الإسهام في تجسيد رؤية كاتب الرواية بوجه عام، وتجسيدها البنيوي لخصوصية رؤية هذه الرواية أو تلك، داخل السياق الذي يجانس بين رؤيتها الخاصة والرؤية العامة للروائي الذي تتجلى رؤيته الكلية للعالم من عناصرها التكوينية الموزعة على الرؤى المفردة لروايات هذا الروائي أو ذا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الخطاب السرديّ بين المؤلّف والراوي

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 23 نوفمبر 2010 الساعة: 18:18 م

 

البستـــــان

 

الخطاب السرديّ بين المؤلّف والراوي

 

*محمّد محيي الدين مينو

 

    تبدو العلاقة بين المؤلّف والراوي ملتبسة، فلا نكاد نميّز أحدهما من الآخر، بل تكاد الدراسات المتعلّقة بالراوي تكون نزرةً قليلةً[1]، لأنّ نقدنا العربيّ الحديث حتّى وقت قريب لم يكن يلتفت إلاّ إلى المضمون وحده على حساب الشكل أو البنية، فأصحاب الاتّجاه الواقعيّ راحوا يعملون مباضعهم في اتّجاهات القصّة الواقعيّة، وأصحاب الرومانسيّة طفقوا يبحثون في أوصالها عن أوصاف الطبيعة وملامح البطل الرومانسيّ. ولمّا نشطت حركة الترجمة أبدى نقّادنا اهتماماً ببنية النصّ السرديّ ومكوّناتها، ولا سيّما الزمان، والمكان، والشخصيّة، ولغة القصّ من سرد ووصف وحوار.

 

    والمعجمات تميّز لغةً بين المؤلّف والراوي، فالمؤلِّف اسم فاعل من الفعل غير الثلاثيّ ألّف، أي: جمع، وألّف الكتاب: وضعه وجمعه ووصل بعضه ببعضه الآخر، والراوي اسم فاعل من الفعل الثلاثيّ روى، وروى الحديث أو الشعر: حمله ونقله[2]. فالراوي ليس إلاّ حمّالَ رواية وحكاية.. ولعلّ فنّ المقامة يميّز بوضوح بين طرفي هذه المعادلة، فلكلّ مقامة مؤلّف وراوية، والتاء هنا للمبالغة، فبديع الزمان الهمذانيّ ( 398 هـ ) ألّف واحدةً وخمسين مقامةً، جعلها على لسان راويته عيسى بن هشام، ثمّ سار القاسم بن عليّ الحريريّ ( 516 هـ ) على هَدْيه في خمسين مقامةً، رواها على لسان الحارث بن هَمّام، وكذلك فعلت شهرزاد حين روت لشهريار حكاياتها في ( ألف ليلة وليلة ) التي عرّبها عن نصّ فارسيّ قديم ذي أصول هنديّة محمّد بن عبد عَبْدوس الجَهْشَيَاريّ ( ت 331 هـ )، وكتب أولى مسوّداتها، وأضاف إليها على لسان شهرزاد حكاياتٍ عربيّةً أخرى. وما يميّز رواة المقامة من شهرزاد هو أنّ راوي المقامة مشارك في الأحداث، وأنّ شهرزاد ليست إلاّ راوياً محايداً، لا وظيفة له في عمليّة القصّ إلاّ السرد. 

 

    فالخطاب القصصيّ ينهض على ثلاثة أركان رئيسة، هي: الرواية والراوي والمروي له، أو يقوم كأيّ رسالة لغويّة على ثلاثة عناصر رئيسة، هي: الرسالة ( النصّ ) والمرسل ( المتكلّم ) والمرسل إليه ( المستمع أو المتلقّي ). فإذا كان المؤلّف من لحم ودم، فإنّ الراوي من حبر وورق، وإذا كان للمؤلّف وجود حقيقيّ خارج نصّه، فإنّ للراوي وجوداً حقيقيّاً داخله، فالمؤلّف – ولو نادى بارت بموته – مستقلّ عن الراوي، بل هو من يملك زمام الرواية، وهو من يقود الراوي إلى طريقة روايته، فإذا ما استخدم المؤلّف هذا الضمير أو ذاك حدّد شكل السرد ونمطه:

 

1 – فالقاصّ يسرد أحداث قصّته بضمير المتكلّم، وكأنّه هو البطل، أو كأنّ القصّة هي تجربته الشخصيّة، وينظر إلى الشخصيّات الأخرى بحسب وجهة نظره هو لا حسب ظروفها ومشاعرها، وذلك على طريقة الترجمة الذاتيّة Biography، وهذا الضمير لا يجعل القصّة عندئذٍ سيرةً ذاتيّةً Autobiography، بل يسبغ عليها ما يسمّى بشعريّة Poetics النثر، لأنّ الكتابة به هي خاصّية اللغة الشعريّة التي ليست مسألةً شكليّةً فحسب، وإنّما هي أيضاً مسألة رؤية للعالم من وجهة نظر ذاتيّة، ومن هذا الأسلوب: المذكّرات، واليوميّات، والرسائل، والأحلام، والتداعيّات، والمونولوج.. وهو ما يسمّى أيضاً بالسرد غير المباشر. والأمثلة على هذا النوع من السرد الذاتي Subjective narration قليلة، ولعلّ القاصّ السوريّ خطيب بدلة هو من أبرع القاصّين الذين استفادوا من تقنيّات هذا النوع من السرد وأنماطه، حتّى غدا اسمه أو كنيته وهو أبو مرداس جزءاً من لُحْمة القصّة، وصارت تجربته الشخصيّة مصدراً مهمّاً من مصادر تجربته القصصيّة، ففي قصّة ( الكاتب والشرطيّ ) نقرأ: " عندما استقلت من وظيفتي، واحترفت الكتابة، صار كلّ من يلتقيني من معارفي يسألني: صحيح أخي أبو مرداس أنّك تركت الوظيفة ؟ فأقول: أي، واللّه "[3].       

2 والقاصّ يسرد أحداث قصّته بضمير الغائب، وكأنّه الشاهد المحايد، ويصف الأحداث وصفاً موضوعيّاً، كما يراها، أو كما يستنبطها من أذهان أبطاله، وهي الطريقة الأرحب والأكثر شيوعاً.. وهي ما تسمّى بالسرد المباشر. والأمثلة على هذا النوع من السرد الموضوعيّ Objective narration كثيرة، ومنه هذه المقدّمة لقصّة محمّد نور الدين ( عينان ضاحكتان ): " عندما انهار جبل الجليد السامق الذي كان يحتلّ صدره حتّى نياط قلبه، لم يكن بسبب اشتداد الحرارة الناتجة عن زيادة ثاني أوكسيد الكربون في الجوّ، ولم يكن كذلك بسبب انهيارات أرضيّة تحت الجبل، لكنّه انهار فجأةً عندما هوى كلّ كيانه في أعماق عينين زرقاوين.. "[4]، فالضمير في القصّة غائب بل مستتر من أوّل القصّة إلى نهايتها، لا نعرف صاحبه، وكأنّ العلاقة في هذه القصّة بين ( هو ) و( هي )، وهي علاقة رومانسيّة جميلة بين زوجين، لا نشعر البتّة بالحاجة إلى معرفة اسميهما.  

 

3 – والقاصّ نادراً ما يسرد أحداث قصّته بضمير المخاطب، وكأنّه يقود الشخصيّة إلى الحدث والصراع، ويقرّر مصيرها، ويدلّ هذا النوع من السرد الخطابيّ Narrating speech على علاقة حميمة بين القاصّ وشخصيّاته، فيرفق بها، ويتعطّف عليها.. ومن هنا يكشف استخدام ضمير المخاطب ( أنت ) عن انفعالات الـ ( أنا ) ومشاعرها وعُقدها، بل يزيدها بروزاً ومثولاً بين يدي القارئ، ولكنّ ضمير الـ ( أنت ) يظلّ يحتفظ بشخصيّته المتميّزة وملامحها الخاصّة. وهذا النوع من السرد قليل بل نادر في القصّة العربيّة القصيرة، جرّبت أن أستخدمه مرّةً في قصّتي ( هذيان )، فقلت مخاطباً بطلها، وهو عامل طُرد من عمله في مطعم بعد أبلى عمره في خدمته وخدمة زبائنه: " احذر أن تخنق آخر توهّج في نفسك، وترميه جانباً قرب تلك النفايات التي تزداد يوماً بعد آخر.. "، ثمّ جعلته يتحرّك بين يديّ كبيدق أو كلعبة من ألعاب مسرح العرائس: " هيّا اعبر جسر الماضي، لا تحاول استرجاع ملامحه. أسلحة الإنسان الأوّل لا تجدي في زمن سباق التسلّح النوويّ والنيترون وعابر القارّات.. هيّا اعبر، تقدّم، اقترب، توقّف. ها قد وصلت الحظيرةَ الرطبة، توقّف لحظةً قبل أن تدخل، وانظر إلى الشمس قليلاً، وانفض التعب عن عينيك، لعلّك تجد بعض العزاء "[5]، وهي تجربة طريفة وصعبة حقّاً، لم أجرؤ أن أجرّبها من جديد، لأنّها تحمل من عواقب السرد ما تحمل، ولأنّها في النهاية لا بدّ أن تجنح إلى شكل من أشكال السرد الذاتيّ ومزالقه.

 

   وتبعاً لهذه الأشكال الثلاثة من السرد نستطيع مبدئيّاً أن نحدّد ثلاثة أنواع من الرواة، وهم: الراوي الذاتيّ والراوي الموضوعيّ والراوي الخطابيّ، بل نستطيع أن نتحدث عن أنواع أخرى من الرواة، يحدّدها الفرنسيّ جان بويون ومن بعده البلغاري تزفيتان تودوروف حسب زاوية رؤيته والعلاقة بينه وبين الشخصيّة في ثلاثة أنواع أخرى[6]:

 

1 - الراوي < الشخصيّة، أي: الراوي يعرف أكثر ممّا تعرفه الشخصيّات التي تقوم بالأحداث دون أن تعلم شيئاً عن مصائرها المجهولة التي تنتظرها، لأنّها لا ترى إلاّ ما تقع عليه عيونها، فهي مخلوقات محدودة العلم والخبرة، تسيّرها قوّة الراوي العليم الذي تُكشف أمام عينيه الحجب. وهذا النوع من الرواة أكثر ما يتراءى في القصص ذات الشكل الموباسانيّ التقليديّ كقصص عبد السلام العجيليّ، ومراد السباعي، وعدنان الداعوق، وعلي خلقي..

 

2 - الراوي = الشخصيّة، أي: الراوي يعرف ما تعرفه الشخصيّة، فإذا فعلت فعلاً، أو اتّصفت بصفة، فإنّه يُقدّم فعلها أو صفتها. وهو يأخذ شكلين، أحدهما أن يكون مشاركاً في الأحداث أو شاهداً عليها، والآخر أن يتّخذ من إحدى الشخصيّات أو من أكثر من شخصيّة مرايا تعكس الأحداث.. وهذا النوع من الرواة أكثر ما نراه في القصص ذات الاتّجاه الذاتيّ كقصص أحمد عمر، وخطيب بدلة، ووليد معماري، وإبراهيم صموئيل..

 

3 - الراوي > الشخصيّة، أي: الراوي يعرف أقلّ ممّا تعرفه الشخصيّات، سواء أكان واحداً من الشخصيّات أو من المشاهدين أم كان من المستقلّين متّخذاً لنفسه مستوى زمانيّاً أو مكانيّاً أو إيديولوجيّاً خاصّاً به. وهذا النوع من الرواة أكثر ما نجده في القصص ذات الاتّجاه التعبيريّ كقصص زكريّا تامر، وعبد الحليم يوسف، وسامر أنور الشمالي.. أو القصص ذات الاتّجاه الموضوعيّ كقصص دريد يحيى الخواجة، وتاج الدين موسى، وإياد جميل محفوظ..

 

   فكلّما اختلفت وجهة النظر أو موقع الراوي اختلف مدى الرؤية السرديّة، وبالتالي تعدّد الرواة، واختلفت وظائفهم.. فهذا التصنيف يضعنا أمام أنواع أخرى للرواة، وهي: الراوي العليم والراوي المشارك كعيسى بن هشام أو المشاهد والراوي المحايد أو المستقلّ كشهرزاد.. فالراوي - مهما كان نوعه - هو الذات المتلفّظة كما يسمّيه تودروف، ويعرّفه بأنّه " من يجسّد المبادئ التي ينطلق منها إطلاق الأحكام التقويميّة، وهو من يُخفي أفكار الشخصيّات أو يجلوها، ويجعلنا بذلك نتقاسمه تصوّره للنفسيّة، وهو من يختار الخطاب المباشر أو الخطاب المحكيّ، ويختار التتالي الزمنيّ أو الانقلابات الزمنيّة "[7]، وهو بذلك فرد مستقلّ عن المؤلّف الذي يأخذ برقاب الرواة، ويحدّد مواقعهم ووظائفهم وفق وجهة نظره هو أو وفق منظوره السرديّ أو موقفه الأيديولوجيّ.. ولكنّ التجريب في حقل القصّة القصيرة – وهو فنّ لدن مرن على كلّ حال – أغرى بعض القاصّين المغامرين بالمزاوجة بين صوت المؤلّف وصوت الراوي، فخرجوا بما سمّي المؤلّف الراوي، أو المزاوجة بين صوت الراوي وصوت الشخصيّة، فخرجوا بما سمّي الشخصيّة الراوية، أو المزاوجة بين هذه الأصوات الثلاثة، فخرجوا بما سمّي بتعدّد الرواة أو بما يمكن أن أسمّيه مجمع الرواة، وهو مصطلح أليق وأ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الخطابُ السرديُّ وتداخلُ الأجناسِ

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 19 نوفمبر 2010 الساعة: 13:26 م

 

البستـــــان

 

 

الخطابُ السرديُّ وتداخلُ الأجناسِ

 صفويَّــة الجِنــسِ وأحاديَّتــه

 

* مُحمَّد رشيد ثابِِت

 

*إضَـــــاءَة :

 

 

   لا شك في أن الرواية أفادت من تداخل الأجناس الأدبية ، وحطَّمتْ ما يُسمَّى بصفاء النوع أو واحديته ، كما يقول الأستاذ محمد رشيد ثابت في مقاله الذي نستضيفه اليوم ، لكن هذا لا يعني عدم وجود عنصر مهيمن أو قيمة مهيمنة في كل نص روائي ، أو سردي ، هو الذي يرجح انتماءه إلى هذا الجنس الأدبي أو ذاك من أجناس السرد المختلفة . وهذا يعني أن كل نص أدبي ينبغي أن يُدرَس بمعزل عن غيره من النصوص ، وأن تلحظ فيه  القيمة المهيمنة التي تحدد رجحانَ انتمائه إلى جنس بعينه دون آخر ، أو غياب ذلك .

 

    وقد أفاض النقاد منذ عشرينيات القرن المنصرم في الحديث عن هذه المسألة ، وفي مقدمتهم الشكلانيون الروس ، وحددوا مناحي التداخل بين الأجناس السردية والقيمة المهيمنة التي تجعل نصاً دون غيره يميل إلى كفة جنس آخر ، وينتسب إليه بوضوح ، ومن دون كبير جهد .

 

    وأظن أن هناك كتباً عديدة في العربية وغيرها تدرس ذلك ، منها : كتابا إدوار الخراط : " أصوات الحداثة – دار الآداب – بيروت - 1999" و" الحساسية الجديدة - دار الآداب – بيروت – 1993)" ، وكتاب " القصة – الرواية – المؤلف : دراسات في نظرية الأنواع الأدبية المعاصرة " الذي ترجمه الدكتور خيري دومة ، ونشرته دار شرقيات في القاهرة بطبعته الأولى عام 1997، وكتاب " تداخل الأنواع في القصة المصرية القصيرة " لخيري دومة أيضاً ، وصدر في طبعته الأولى عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1997 أيضاً . 

 

 

* نصُّ المقال :

 

 

      يُعَـدُّ تداخلُ الأجناسِ ظاهرة عامة تميِّز الإبداعَ في عديد من مجالاته ، ومنها المجالُ الأدبيُّ والمجالُ السرديُّ تحديداً، وسنحاول في هذه الورقة تخصيصَ درسِ هذه الظاهرةِ في المجال الأخير وما يشمله من عديد الأجناس والأشكال.

 

   فالرواية ، على سبيل المثال بوصفها أبرز أشكال السرد الراهن ، يستعصي على بعض الدارسين تحديدها الأجناسي على رغم تعيينها بهذا الاسم، إذ يرون فيها فناً من الإنشاء رافضاً لكل الضوابط والحدود وذلك لقدرتها العجيبة على استيعاب ما لا حصر له من الأجناس والفنون. فالخطاب الروائي فضاء لغوي وتخيلي مترامي الأطراف لا تتداخل فيه الأجناس فحسب، وإنما تتفاعل فيه وتتقاوض.

 

   وقد أدت هذه الخاصية إلى ظهور تصنيف لعديد الروايات يمثل أولى عتبات إبراز هذه التداخل وواجهاته. من ذلك ما يعرف بـ«المسرواية» ففي هذا الصنف يتداخل الشكل السردي قصة «طويلة» أو «قصة قصيرة» مع الشكل المسرحي فتصاغ الرواية مثلما يصاغ هذا الشكل أي يبنى خطابها على طريقة الحوار المباشر، ويجول فيها السرد والوصف إلى إشارات تصور مقام هذا الحوار وسياقه الخارجي. ومن ذلك ما يعرف برواية الواقعية الأسطورية (في أميركا اللاتينية)، إذ يتداخل القص الواقعي مع القص الأسطوري مثل رواية «مئة عام من العزلة» للكاتب غابريل غارسيا ماركيز. وفي أدبنا العربي المعاصر ما يشاكل هذا النوع من السرد مثل كتابات إبراهيم الكوني، ففي روايات هذا الكاتب تتداخل نماذج متنوعة من القص العربي القديم في تشكيل عالم الطوارق الصحراوي على غرار روايته «الدنيا ثلاثة أيام» الصادرة في العام 2000 والتي تمثل تصرفاً متعدد الوجوه في مثل يصوغه خبر عربي قديم رواه ابن عبد ربه في كتابه «العقد الفريد» يرسم كنائية تختزل حياة الذات البشرية في ثلاثة أيام رمزية: أمس (رمز الماضي) واليوم (رمز الحاضر) والغد (رمز المستقبل). ومن صور التداخل بين الأجناس كذلك ما غلب على مؤلفات الكاتب المصري إدوارد الخراط

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

النِّفَّري، رامبو، الترجمة

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 19 نوفمبر 2010 الساعة: 10:14 ص

 

البستـــــان

 

 

النِّفَّري، رامبو، الترجمة

*أدونيس

 

 

 

    الصديق العزيز الشاعر عيسى مخلوف يناقش في كتابه الأخير «تُفاحة الفردوس» (المركز الثقافي العربي ، 2006) ، وهو كتاب جدير بالقراءة ، المسألة التي أثرتها منذ سنوات في كتابي « الصوفية والسوريالية » ( دار الساقي ) ، حول العلاقة بين رامبو والصوفية. وليس وحده مَن ناقش أو يناقش هذه المسألة ، غير أنه الأكثر معرفة وموضوعية وترصُّناً ؛ لذلك أجدني فرحاً بنقاشه ، وبالحوار معه. ويسرّني أن أعود ، لمناسبة هذا الكتاب ، لكي أوضح من جديد ما كنت أوضحته أكثر من مرة.

 

 

   منذ البداية، شدّدتُ في مقدمة «الصوفية والسوريالية» على أنني أفصل كلياً بين الصوفية مُعتقداً، والصوفية منهجاً في المعرفة والكتابة، وفي العلاقة بالعالم. الإيمان شيء، والمنهج شيء آخر. فليس الذين يتخذون العقلانية منهجاً، على سبيل المثال، يؤمنون جميعاً بمعتقد واحد. وابن رشد هو أوّل من نبّه في الفكر العربي إلى ضرورة هذا الفصل . ولئن كان رامبو يشترك مع النفري، كمثل آخر، في خصائص رؤيوية وتجربيّة وكتابية كثيرة، فإن ذلك لا يعني أن رامبو أصبح صوفياً، أو أن النفري أصبح رامبوياً. مع ذلك ظل الجميع يناقشون هذه المسألة، كما لو أنني أقول إن رامبو صوفي، معتقداً. وهذا ما لم أقله قطعاً، ويستحيل أن أقوله.

 

 

   ما قلته هو أن الطاقة الشعرية التي حركته لم تكن نابعة من ديكارت، أو من العقلانية الأوروبية، أو من الانقلاب الصناعي . كانت، بالأحرى، تنبع من أفق آخر، هو ما سميته «الصوفية»، لانعدام كلمة أخرى أكثر إفصاحاً ودقة – «الصوفية»، بوصفها منهجاً أو طريقة في رؤية العالم، لا بوصفها «ديناً» أو «معتقداً». وهو أفق الحلم، والخيمياء، والسحر، والرؤيا، والحدس، والكشف، والشطح، … الخ، مما يناقض المنهجية العقلانية الغربية التي كانت سائدة آنذاك. وفي هذا الإطار، نفهم تشديده على «تعطيل الحواس» في ثقافة كانت على العكس، تشدد على «تفعيلها». وعلى الإعلاء من شأنها.

 

  أعترف بأنني جاهل في أمور كثيرة. غير أنني لست جاهلاً إلى درجة تجعلني أن أقول إن رامبو صوفيٌّ، ديناً أو معتقداً. أو انه يؤمن إيمان النفري، أو الحلاج، أو ابن عربي، أو جلال الدين الرومي. أو انه «خارج» الثقافة الغربية، مثلهم. فلقد خرج منها وهو في داخلها، كمثل ما خرج هؤلاء من الثقافة العربية – الإسلامية، وهم داخلها. وبهذا المعنى الفاصل بين «الطريقة» و «المعتقد»، نجد في «الطريقة – المنهج»، خصائص مشتركة كثيرة بين رامبو والصوفية تسمح لنا بأن نسمّيه «صوفيّاً».

 

 

   يشير الصديق الشاعر عيسى مخلوف كذلك، في إحدى دراساته، إشارة عابرة، إلى ترجمتي شعر سان – جون بيرس. وهي عمل أثار هو الآخر سجالاً، لم يكن في معظمه إلا خروجاً على آداب السجال. يوجز إشارته في قوله: « ترجمة أدونيس للشاعر سان – جون بيرس، التي مهما قيل في دقتها، أحدثت ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تعليق نقدي على مقدمة كتاب الشعر والحساسية

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 18 نوفمبر 2010 الساعة: 09:08 ص

 

تعليـقٌ نقـديٌّ على مُقدِّمـة

 كتاب"الشعـر والحساسية"

للناقد يوسف سامي اليوسف

 

 

 

* إضـــــاءة :   

 

    نشرت الهيئة السورية العامة للكتاب في موقعها على الشبكة العنكبوتية نسخة إلكترونية من كتاب " الشعر والحساسية - دراسات نقدية" للناقد الفلسطيني المعروف يوسف سامي اليوسف ، وقد أرفقتْ مع النسخة المنشورة صفحة من مقدمة الكتاب للتعريف به ، غير أن قارئ الصفحة المنشورة يُفاجَأ بما جاء فيها من تعميم عجول وأحكام نقدية تفتقر إلى الدقة والتسويغ .

 

   وقد قرأتُ الصفحة عند نشر الكتاب ، وأرسلت إلى الموقع مجموعة ملاحظات نقدية منذ بضعة أشهر ، غير أن ملاحظاتي لم تلق كالعادة أي رد من الناقد المذكور أو من قراء الموقع وهم كثر ، فرأيت أن أشرك الأصدقاء الذين يتابعون مدونتي في ما قرأت وأرسلت ، وها أنذا أنشر الصفحة التعريفية التي أرفقتها الهيئة مع الكتاب عند نشره ، والتي اقتطفتها من مقدمة الناقد اليوسف الأصلية لكتابه ، وسوف أتبعها بالملاحظات التي أرسلتها إلى موقع الهيئة ، وكلاهما : الصفحة والملاحظات منشوران على موقع الهيئة الآتي : www.syrbook.gov.sy/.  

 

 

*الصَّفْحـَة المنشورَة مُقدَِّمـَةً

 لكتـاب الشِّعـر والحسَاسِيَة : 

 

 

    تتلخص الغاية الأولى لهذه العجالة التمهيدية في السعي نحو إرساء القواعد التي من شأنها أن تكون حوامل لمعيار القيمة، وهو الأسّ الأكبر للنقد الأدبي بأسره، وفي تقديري أن الروح يحتضن سؤال القيمة لكي لا يتساوى النفيس والخسيس، أو الرفيع والوضيع، فليس الإتضاع سوى هذا الاستواء حصراً. وربما جاز الزعم بأن أبرز معيار بين معايير القيمة كلها هو هذا: إن أدباً لا يتفاعل مع الحياة بصدق وعمق لا يسعه البتة أن يكون غير تهويم أو لغو سوف تلغيه الأيام. ولما كان شكسبير قد التزم بهذا المعيار على خير وجه ممكن، فقد جاء نتاجه أكمل نسق أدبي ظهر على الأرض طوال التاريخ.

 

    ولعل في الميسور القول بأن أولى الحقائق النفيسة وأهمها وأولاها بالعناية هي القيمة التي تتحدد أولاً بمثنوية النبالة والنذالة. أما النبالة فهي الاسم الآخر للأصالة، وأما النذالة فهي الاسم الآخر للعطالة، التي هي «شح النفس»، أو خلوها من السمات الايجابية الفاعلة في خدمة الخير. فالإنسان هو القيمة وحامل القيمة في آن معاً، وكل ما لا يبث القيمة الجلّى، وكل ما لا ينتسب إلى الشعور الايجابي، وكذلك إلى النبالة والأصالة، لا يعوَّل عليه كثيراً، وربما لا يعوَّل عليه بتاتاً. فما تشعر به أو تتحسسه بهمّ واهتمام، هو أبرز شيء في وجودك بأسره، وذلك لأن الإنسان شعور بالدرجة الأولى، وكيفما كان شعورك كنت أنت.

 

    وإني لأخوّل نفسي حق الذهاب إلى أن الكاتب الذي يستحق الرتبة الجليلة الأولى هو ذاك الروح المطهّم الحساس القلق المتوتر المغترب الذي يعيش في الجحيم الجاحم بالضبط. ومثاله المتميز في المسرح هو شكسبير، وفي الرواية دستويفسكي، وفي الشعر المعري، وشطر كبير من شعر المتنبي الذي إذا شعر فإنه لا يبذ.

 

   ويتميز تراث دستويفسكي بأنه محاولة كبرى بذلتها الحساسية حصراً، وليس الذهن، وذلك بغية استيعاء الإنسان، أو هذا المنبهم الأعظم المتحرك في عالم منسوج من الانبهام. فالحساسية والشعور بالغربتين الوجودية والاجتماعية، والتخويض في نيران جهنم الدنيوية، تلك هي أكبر مصادر الأدب الرفيع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تاريخ الفلسفة وتاريخ الأيديولوجيات

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 17 نوفمبر 2010 الساعة: 20:05 م

 

البستـــــان

 

 

تاريخ الفلسفة وتاريخ الأيديولوجيات

 

* عبد السلام بنعبد العالي

 

 

 

* إضـــــاءة : 

 

 

    نشر موقع الأوان بتاريخ 13 كانون الأول (ديسمبر) 2009 مقالا للمفكر المغربي المعروف عبدالسلام بنعبدالعالي عنوانه " تاريخ الفلسفة وتاريخ الأيديولوجيات " أثار في حينه نقاشاً عميقاً بين قراء الأوان ، وقد كان لي شرف المشاركة في النقاش بتعليقات متعددة أظن أن بعضها لا يزال يكتسب أهمية راهنة حتى الآن .

   ويسعدني أن أستعيد مع الأصدقاء المتابعين لهذه المدونة وقائع ما جرى في النقاش المذكور الذي شارك فيه الأستاذ عبدالسلام نفسه مع الدكتورة رجاء بن سلامة / رئيسة تحرير موقع الأوان .

 

 

 * نصُّ المقال :

 

     من حقنا أن نقحم كبار الفلاسفة ضمن تاريخ الأيديولوجيات، لكن، ليس من حقنا ألا نرى في كل فلسفة إلا أيديولوجيا.

 

    يفترض ذلك، بطبيعة الحال، تمييزا دقيقا بين التاريخين. فلكلّ منهما أهداف يرمي إليها، وطريقة ينهجها، ومفاهيم يوظّفها. فإذا كان همّ التاريخ الأيديولوجي هو خلق الوحدات وتوليد التطابق وإقامة عائلات فكرية ورسم تيارات ونظرات إلى العالم، فإنّ سعي تاريخ الفلسفة هو توليد الفروق، والوقوف عند النقاط التي قد تفجّر كلية متراصة ليكشف أنها فضائح تخرق القانون وتشذّ عن القواعد.

 

    أثر عن أحدهم قوله بأن ليس هناك كوجيطو أيديولوجي. فالنقد الأيديولوجي هو دوما نقد يوجّه أصابع الاتهام، لا إلى الذات، وإنما إلى الآخر. ليس هناك "أنا" أيديولوجي، الأيديولوجي دوما هو "أنت". النقد الأيديولوجي نقد يتّهم، وهو دوما نقد مضادّ يصفّي حسابه مع مواقف أخرى.

 

   أما النقد الفلسفي فهو لا يكون كذلك إلا إذا كان يصدر عن "مواقف" لا تقف في موقع بعينه، مواقف منخورة من الداخل، مواقف لا داخل لها.

 

     مؤرّخ الأيديولوجيات يبحث عن قرابات، وينشغل بالتأثّرات والتأثيرات، ويغرس شجرات أنساب، فيقيم عائلات شاعراً أنه ينتمي هو بدوره إلى أسرة "عريقة"، أمّا مؤرخ الفلسفة فهو كائن ريزوميّ يتسلّل بين الفجوات، ويسعى جهده أن يرعى يتمه وفرادته.

 

    لا يعني هذا بطبيعة الحال أنّ تاريخ الفلسفة أكثر أهمية من تاريخ الأيديولوجيات، كما لا يعني أنّ التاريخين يقومان في انفصال عن بعضهما. فالفكر لا يكون فلسفة إلا بمقدار ما يقوم ضدّ تاريخ الحقيقة الذي تسعى الايديولوجية أن تبنيه وتدافع عنه.

 

    فإذا كانت استراتيجية الفلسفة استراتيجية تفكيكية مقوّضة، فما ذلك إلا مقابل الأيديولوجية البنّاءة الموحّدة. فلا تقويض من غير بناء، ولا تفكيك من غير التحام، ولا تعدّد من غير وحدة، ولا فروق من غير هويات.

 

 

التعليق على هذا المقال

 

تعليقات حول الموضوع

 

المغرب - عماد البشاري

13 كانون الأول (ديسمبر) 2009 02:08

 

هل هذا مقال؟؟؟؟؟

 

الرد على التعليق

 

مسقط - عبدالله

13 كانون الأول (ديسمبر) 2009 10:29

 

 

إنه شرارة جميلة تشعل البراري والضفاف.

 

الرد على التعليق

 

سلا - الرافعي رحال

14 كانون الأول (ديسمبر) 2009 15:37

 

 

   فعل التقويض ، ممارساً بهذه الدرجة أو تلك من اليقين ، محدود برأي العين.. سيكلوب أو زرقاء اليمامة:ما الفرق؟ أو لنقل التاريخ كرسالة مدرجة ، مسافة لإختبار ثقافة الحواس الكاملة و الذاكرة الصلدة لكن الخيالية.هل نقوض الرسالة أم نفجر ما هو موغل ، على الأصح،في غيب كل فعل ؟ أعني: الكواجيط النائية والثاوية وراء المنظور أو كل المواقع المدركة ظاهراً و باطناً ، ماضياً و حاضراً.بهذا الاعتبار ، فكل تقويض للتقويض إنما يقع تحت طائلة الهاجس المنظور دائماً ، لأن الزمان يجبه باستمرار و بلا هوادة. كيف نحيل الخوف فرصة لاسترجاع السر الضائع من ذواتنا ؟هل هو من طبيعة تاريخية أم شعرية؟ترقب؟حنين؟عصاب ؟ هل نلتمس الجواب في أحداث الحادي عشر من شتنبر أم نبحث عنه في تفاصيل المباراة المصرية الجزائرية ؟ أم ترانا نلفيه في مرويات صاحب الذيل العظيم: الحاكم العربي؟…تلك أم المسائل في اعتقادي . مع تحياتي إلى المقوضين العرب .

 

الرد على التعليق

 

أبوظبي-أحمد عزيز الحسين

13 كانون الأول (ديسمبر) 2009 17:58

 

 

 1- إذا كان العنوان مفتاحاً للولوج إلى النص عموماً ، و النص برهاناً على ما في العنوان من حكم أو انطباع أولي ؛ و تسويغاً لهذا الحكم أو ذاك الانطباع ؛ يصح القول : إن النص الذي بين أيدينا ليس مقالا البتة ؛ لأنه يفتقر إلى الشروط المدرسية للمقال ، ومنها: البرهنة على ما في العنوان من حكم وصفي ارتضاه الكاتب مفتاحاً للقراءة وآلية أولى للتواصل مع المتلقي . فالنص ، هنا ، لا يشتمل على خاتمة تلخص النتائج التي توصل إليها الكاتب في مقاله ، وهي الخاتمة التي ينبغي أن تتضمَّن رؤية الكاتب الخاصة لموضوعه ، ومغايرته للآخرين في فهم هذا الموضوع ، كما أن العنوان أشملُ بكثير وأعمُّ بما لا يُقارَن من متن النص نفسه ، وقد جاء الشريط اللغويُّ لهذا المتن قصيراً جداً ، و مستواه الفكري متواضعاً جداً ، بحيث يصعب أن نصنفه على أنه مقال فكري يتوافق مع عنوانه وموضوعه ، ويتسق مع الدلالة المتضمنة في هذا العنوان .

 

الرد على التعليق

 

أبوظبي-أحمد عزيز الحسين

13 كانون الأول (ديسمبر) 2009 18:00

 

 

 2- والغريب أن يكتب هذا النص كاتبٌ ومفكرٌ وأستاذٌ أكاديميٌّ راسخُ القدم في الفكر الفلسفي المعاصر بحجم الأستاذ عبدالسلام بن عبدالعالي ، وأن ينشره على أنه آخـرُ ما خطَّه يراعُه وجسَّده فكرُه وعقلانيته الصارمة. فهذا النص لا يُجسِّد مستوى ما يكتبه الأستاذ عبدالعالي البتة ، ولا يرقى إليه أبداً ، وقد قرأنا للأستاذ عبدالسلام من قبل ، في هذا الموقع أو في منابر أخرى ، أبحاثاً رصينة ومقالات فلسفية أو فكرية لا يُشكُّ بسويتها الفكرية الرصينة ، ما يجعلُ من استغرابنا عن ضعف هذا النص وتواضعه ، بالقياس إلى ما قرأناه له من قبل ، أمراً مشروعاً ومُسوَّغاً من الناحيتين المنهجية والفكرية معاً. وإن أنسَ لا أنسى إعجابي الكبير بما قرأته للأستاذ عبدالسلام من كتب تجسد مقدرته التي لايشك بها أبداً في كتابة المقال والقدرة على اجتراح الجديد فيه دائما ، وأخص بالذكر كتابه الممتع والجميل " ثقافة الأذن وثقافة العين " الذي صدر في طبعته الأولى " عن دار توبقال في الرباط عام 1994، فضلاً عن ترجماته التي أسهمت في بناء عقل المتلقي العربي المعاصر والارتقاء بسويته الفكرية والعقلانية معاً .

 

الرد على التعليق

 

دبي/حمص-محمد محيي الدين مينو

13 كانون الأول (ديسمبر) 2009 19:45

 

 

في هذه المقالة الهزيلة التي ينشرها ( الأوان ) لواحد من أفراد عصبته ينتصر الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي من طرف خفيّ للفلسفة، وينعت الأيديولوجيا بالقصور، ويتّهم من طرف آخر النقد الأيديولوجيّ بأنّه " نقد متّهِم مضادّ يصفّي حساباته مع مواقف أخرى ". وهذه النظرة المتشنّجة إلى الأيديولوجيا ليست بغريبة ولا بجديدة، فقد روّج لها بعض الفلاسفة من أمثال موريس غودلييه كما روّج لها أهل السياسة من أمثال نابليون بونابرت الذي وصف الأيديولوجيا بأنّها " الميتافيزيقيا المظلمة "، بل دعا إلى رمي الأيديولوجيّين في الماء. ولو عرفنا أنّ غودلييه ماركسيّ مرتدّ وأنّ بونابرت إمبرطور متسلّط فهمنا اللعبة التي يمارسها أمثال بنعبد العالي ضدّ الأيديولوجيا التي هي باختصار شديد مشروع علميّ وتربويّ في آن واحد، يعكس موقع طبقة من الطبقات اجتماعيّاً.

 

الرد على التعليق

 

- مختار الخلفاوي  

13 كانون الأول (ديسمبر) 2009 21:43

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي