Yahoo!

شكر وتقدير

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 15 يوليو 2010 الساعة: 07:40 ص

شكـــــر وتقديــــر

 

 

    الأصدقاء الأعزاء ، تحية طيبة وبعد

   أشكرككم جميعاً على متابعة مدونتي المتواضعة ، وأحيطم علماً بأنني سوف أضطر إلى التوقف عن إضافة 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

صورة المدينة في روايات هاني الراهب

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 15 يوليو 2010 الساعة: 07:33 ص

 

صورة دمشق في روايات هاني الراهب

( شرخ في تاريخ طويل : نموذجاً )

 

 

( إلى الصديق الناقد صلاح صالح )

 

 

   أنجز الروائي السوري الراحل هاني الراهب خلال عمره المديد تسعة أعمال روائية : المهزومون ، وشرخ في تاريخ طويل ، وألف ليلة وليلتان ، والوباء ، وبلد واحد هو العالم ، وخضراء كالغابات ، وخضراء كالمستنقعات ، ورسمت خطاً في الرمال ، وقد جعلته هذه الأعمال " قارة روائية كاملة " على حد تعبير المحرر الثقافي لصحيفة " الخليج " الإماراتية ، وأهلته لأن يكون قامة سامقة في الإبداع الروائي العربي كله ، وذهب بعضهم إلى أن روايته “الوباء” تعد واحدة من أفضل مائة نص روائي عربي صدر في القرن العشرين.

    في روايته “المهزومون- 1961” كتب هاني الراهب عن غربة جيل ما قبل الوحدة في سوريا، وحيرته وتمزقه وضياعه وإفلاسه ، ورصد في “ألف ليلة وليلتان-1977” انعكاس هزيمة حزيران على حياة جيل ومصير أمة ، وتابع في روايته العظيمة “الوباء-1981” صعودَ الشريحة الريفية وتسيُّدَها واستبدادَها ، وكتب في “بلد واحد هو العالم -1985” عن انبثاق البنية الاجتماعية الذيلية وهيمنتها وانتهازيتها وتبعيتها للولايات المتحدة الأمريكية ، وصوَّر في “التلال - 1988” ما آل إليه حالُ الدولة الوطنية العربية بعد الاستقلال في ظل الانقلابات العسكرية المتتالية، والصراعِ المحتدم بين شرائح البرجوازية الوطنية والإقطاع والجيش للاستيلاء على السلطة ، وانعكاسَ ذلك على حياة الشعب المُبْعَد عن صنع القرار؛ أما في روايته الأخيرة “رسمتُ خطاً في الرمال -1999” فقد أقام مبناه الحكائي المفتوح على حدث محوري هو حرب الخليج ، وجعل هذه الحربَ تستأثر باهتمام الأصوات الروائية في معماره السردي ؛ إلا أنه حرّر وقائع متنه الحكائي من نظام التتابع الزمني ، وأناط بلغته أن تكون بنية بديلة تحل مكان الحدث والحوار والشخصيات ، وتنهض على تعدد الأنساق والنماذج لا على الشخصيات التقليدية ؛ ولذلك فارقت لغته التراث الواقعي وجاءت رواية تخييلية بامتياز.

   امتلكت أعمال هاني الراهب، بشكل عام ، نوعاً من الرؤية الموحدة لمدينة دمشق ، أو في الحد الأدنى رؤية متقاربة لها ، وتتلخص هذه الرؤية في التزام نوع من الموقف العدائي العريض للمدينة وعوالمها المختلفة ، وحين يبدو في بعض الروايات أن الشخصية الرئيسة في الرواية تظهر شيئاً من التعاطف مع المدينة ، أو تظهر استمتاعها بالفضاء الاجتماعي الذي تعيش فيه؛ فإن ذلك يأتي غالباً في أحدِ إطارين ، يتمثل الأول في أن المتعة التي تنعم بها الشخصيات هي مجرد متعة مؤقتة وظاهرية ، سرعان ما تنقلب إلى نقيضها ، بعد أن يكتشف الذي كان غارقاً ، في متعته ، بطلان ما كان يفعل ، وكذلك نجد شيئاً مماثلاً في “ألف ليلة وليلتان” حين يظن المحافظ عباس أنه ظفر بزوجة ( طلعت بك ) وضحك منه ، ولكن الحقيقة ، كما تظهرها الرواية في ما بعد ، أن ( طلعت بك ) قدم زوجته طعماً وهدية للمحافظ ، وحصل لقاء ذلك على أرباح خيالية ، ويتمثل الثاني في عد بعض المتع التي تعيشها بعض الشخصيات الرئيسة أو الثانوية ، نوعاً من العبث المجاني ، والانتحار البطيء ، المتمثل في الإسراف المبالغ به في تناول الكحول والتبغ ، حيث تمتلىء “ شرخ في تاريخ طويل” بمثل هذه الإسرافات ، ويكاد أبطالها لا يفعلون شيئاً سوى التسكع اليومي ، ومعاشرة النساء ، والتفجع على أنفسهم وعلى كل شيء.

 

*شرخ في تاريخ طويل (1970) :

 

     تنزع هذه الرواية إلى نوع من تغييب الوصف المشهدي والحياتي للمدينة وأجوائها، وتجري معظم أحداثها في ( قبو) تحت الأرض يقطنه مجموعة من الأصدقاء القادمين إلى دمشق لمتابعة التحصيل العلمي ، أو التطوع في الجيش ، أو أداء الخدمة الإلزامية. ويخرج هؤلاء الساكنون إلى المدينة ، ويعودون إلى القبو، وما نعرفه عن ملامح المدينة وفضائها نستنتجه من خلال انطباعاتهم وأحاديثهم التي يتبادلونها ، وتعليقاتهم ، والتندر أحياناً بخيباتهم ، وفشلهم في التواصل مع ما تضج المدينة به من حياة وإغراءات على مختلف الصعد. والسبب يعود ، في الرواية ، إلى الفقر الشديد الذي حمله هؤلاء من أريافهم ، وجاؤوا به إلى المدينة ليواجهوا عالماً قاسياً لا يفتح ذراعيه إلاّ لأولئك الذين يملكون المال.

     يعيش “أسيان” ( الكاتب الضمني في الرواية ) أكثر من علاقة ، ولا يبدو ، في الرواية ، أن العلاقة الأساسية المستمرة أكثر من سواها ، وتجري أحداث هذه العلاقة داخل القبو أو الغرف المغلقة ، وينسحب بالتالي عالم المدينة إلى ما تشعر به ( لبنى ) من خوف مستمر مرده إمكانية اكتشاف علاقتها ، فتخسر حياتها الرغيدة ، ولا تربح إلا الفضيحة والتسفيه الاجتماعي . والعلاقة الأولى التي تنطلق الرواية منها لم تمكنّا من تبيان ملامحها بدقة ؛ فهناك شابة انتحرت اسمها (مرام) ، ومقبرة موحشة في قلب المدينة ، وكأن المدينة كانت مقبرة ، واستمرت كذلك من خلال استمرار بقية الأحداث في قبو تحت سطح الأرض (1)!.

    وما يؤكد نزعة الرواية إلى تصوير ( دمشق ) بوصفها مقبرة أو امتداداً للمقبرة التي بدأت الافتتاحية السردية منها ، أننا لا نجد أي ذكر لافت في الرواية لمن يعيشون في الطوابق العليا ، وينتمون إلى الشرائح الاجتماعية العليا ، أما الشوارع التي كثر الحديث عنها في المتن الحكائي فبدت مقفرة ؛ إما لأن السير فيها كان يتم في ساعات متأخرة من الليل ، ويتخذ شكل التسكع ، والشوارع في الليل المتأخر شوارع خالية بشكل عام أو طبيعي ، وإما لأن شخصيات الرواية منشغلة عما حولها بما يجيش في نفوسها من عوامل القهر والحرمان ، والإحساس بالغربة والتهميش ، إذ لا يستطيع أمثال هؤلاء أن يروا في الشوارع المكتظة سوى مصدر لأزماتهم وعنائهم الفظيع (2). وعندما تمتد تأملات إحدى الشخصيات إلى ما تشاهده في أثناء التجوال في الشوارع الليلية الخالية؛ فإن ذلك يقتصر على تأمل سيدة جميلة غادرت منزلها ، وهي في ثياب النوم لوضع القمامة في الشارع ؛ فيغرق (أسيان) في الأسف على أن تضطر هذه السيدة صاحبة الفخذين "النبيلين " إلى رمي القمامة في الشارع ، بينما الأجدر بها أن تنأى بجسدها وفخذيها إلى إحدى غرف قصرها مترفعة عن التلوث بما تقتضيه الحياة اليومية من مشاغل وأعمال ، وكأن الرواية تحصر وظيفة الجمال المديني في تلبية رغبات الظامئين إليه، وفي مجرد الاستجابة لرغباتهم الشبقية المتأججة ؛ في هذا المشهد يمتزج الاشتهاء بالمرارة والسخرية اشتهاء كل ما حرم منه المعدمون من أبناء الأرياف، على مختلف الصعد، وليس على صعيد المرأة والجنس فقط ، ومرارة العزلة التي تفرضها الحياة المدينية ، على أولئك الذين لا يملكون الأهلية المالية للتمتع بخيرات المدينة وامتيازاتها، والنهل مما تزخر به من جمال وإغواء؛ والسخرية من جملة المفارقات التي تزخر بها الحياة في المدن المكتظة بالمتناقضات؛ والسخرية من الحياة التي جعلت الناس نصفين : نصفاً تحت الأرض ، ونصفاً في الأعالي ، والكيفية التي تستطيع من خلالها الشرائح الميسورة فرض الفقر على الآخرين ، وجعلهم يقومون بجميع الأعمال الوضيعة التي يأنفون من ممارستها في حياتهم العادية ؛ بحيث يبدو أن ما أقدمت عليه السيدة الدمشقية من رمي القمامة في الشارع ، غلطةً أو نوعاً من الخرق للنسق السائد في شوارع الأحياء الراقية النبيلة.

 

*الشخصيات وفضاء المدينة السري

 

   تطغى معالم الرتابة والسكون والهدوء على المدينة التخييلية في هذه الرواية ، ويعشش العنكبوت في فضائها (3) ، وتحاول الشخصيات اختراق فضاء المدينة والدخول في نسيجها فتخفق؛ إذ تقف المدينة جداراً أمام الشخصيات (4) ، وتمنعها من الولوج إلى عالمها السري (5) ، أو تتيح لها إقامة علاقة عابرة مع بعضها بعضاً في أمكنة عامة كالشوارع والمقاهي ، أو في أمكنة انتقالية هامشية خاصة كالقبو ؛ ولهذا نجد أن الشخصيات تعلن تذمرها من هيمنة الأماكن المغلقة على حياتها وعلى فضاء المدينة :”يا جماعة ، ما هذه المدينة ؛ أليس فيها محل للجلوس؟ كله داخل جدران ؟ في البيت ، في الجامعة ، في الباص والسينما(6) . وحتى حين تغادر هذه الشخصيات الأمكنة المغلقة إلى الشارع؛ فإنها لا تفرّج عن نفسها، ولا تخفف من كرْبها (7) ، إذ لا يتاح لها أن تلتقي في الشارع من تتحدث إليه، أو تقيم معه علاقة إنسانية حميمة؛ ذلك أن الشوارع توظف، في الرواية، للتسكع والعبور السريع من مكان إلى آخر(8) ، وليس كوسيلة اتصال اجتماعي ، وحين تنعدم الحركة في الشوارع ليلاً ، وتشعر الشخصية بحاجة ماسة إلى الاتصال بالبشر والحوار معهم ؛ تلوذ بالخيال بديلاً عن الواقع (9) .

    تصف الرواية شوارع دمشق بأنها مقفرة ، جرداء ، مضيعة ، مغلفة بالصمت والوحشة (10) ، خالية من الحياة دوماً، وقد تصفها أحياناً بأنها “مغلقة “ في وجه الشخصية (11) ، لكي تزيد من وتيرة غربة الشخصية وعزلتها الروحية . ولا يجدي هذه الشخصيات شيئاً حين تلجأ إلى الأزقة الشعبية المعروفة باكتظاظها البشري ، ذلك أن أزقة الرواية تبدو حزينة، مقفرة، ولا حركة فيها (12) ، كما يبدو “مقهى الهافانا” في الرواية حيزاً للغربة والعزلة الروحية ، لا مجال فيه للحوار أو تزجيه الوقت ، ولهذا لا تجد الشخصية متنفساً لها في فضائه ، أو حتى إمكانية لإقامة علاقة اجتماعية عابرة (13) ، فتضطر إلى العودة إلى قبوها مكرهة، وحين تقصد إحدى الشخصيات المقصف الجامعي بغية الحوار المستنير المثمر ؛ تكتشف أنه هو الآخر حيز للثرثرة والاغتراب (14) ؛ فتعزف عنه ، وتعود من حيث أتت. أما الجامعة التي وصفت في بداية الرواية بأنها المكان ، الذي يبدأ منه العالم ؛ فتغدو ، في السياق الروائي ، مكاناً يخيم عليه الجهل والنظرة الدونية إلى المرأة (15) ، والتزمت الفكري ، والتعصب الديني (16) ؛ ولهذا لا تعثر ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ظبية خميس والجامعة العربية

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 13 يوليو 2010 الساعة: 20:36 م

 

بيانٌ من اتحاد كتَاب وأدبَاء الإمارات

 

 

حول قضيَّة ظبية خميس

 والجامعــة العربيَّــة

 

 

 

    تدارس اتحادُ كتاب وأدباء الإمارات طيلة الأيام الماضية الإجراءاتِ المتخذة من قبل جامعة الدول العربية ضدَّ عضو اتحاد كتاب وأدباء الإمارات الشاعرة والكاتبة الأستاذة ظبية خميس ، وهي الإجراءاتُ التي بلغت ذروتَها بفصل ظبية خميس من عملها كسفيرة في الجامعة العربية ، في أعقاب نشرها مقالاً حول الجامعة .

   ويُبدي اتحادُ كتاب وأدباء الإمارات استغرابَه الشَّديدّ من هذه الإجراءاتِ ورفضِه لها ، مطالباً السيد عمرو موسى أمينَ عامِ الجامعة ومسؤوليها بالتراجع الفوري عن هذه الخطوات المتعسفة التي تسيْءُ لدور الجامعة ومكانتِها لدى العرب جميعاً .

إن حريَّة التعبيرِ والكتابة والرأي ينبغي أن تكون محميَّة ومصونة ، وهذا هو دورُ اتحاد الكتاب في الإمارات ، والاتحاداتِ والروابطِ والجمعياتِ والأسَر المماثلة ، لكنه أيضاً دورٌ أساسيٌّ لجامعة الدول العربيَّة بيتِ العربِ الكبيرِ ، حيث لا يستقيمُ أن تفصلَ الجامعة موظفة لديها لقيامها بنشر مقالٍ في مدونتها استعرضتْ فيه كتاباً لموظفة سابقة تناولتْ فيه تجربتها في الجامعة .

    ولا تؤثر إيجابيَّة أو سلبيَّة النقد المنشورِ لجهة عدم سلامة الإجراءات ، حيث إنَّ حرية الكتابة والرأيِ لا تتجزأ ، ولا يمكن أن تكون انتقائية ، كما أن انتماءَ العمل إلى مؤسسة بحجم الجامعة ، وهي محلُّ تنوير مُفترَض ، لا يُنقِصُ من قيمة الحريَّة ، أو هكذا يُفترض ، وهي قيمة مطلقة على أي حال .

  إنَّ اتحادَ كتاب وأدباء الإمارات يعلن استياءَه من هذه الإجراءات ، ويطالبُ الجهة المسؤولة عنها في جامعة الدول العربية

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

استراتيجية القراءة

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 13 يوليو 2010 الساعة: 17:17 م

 

استراتيجية القراءة

 

 

 

 

( إلى الدكتور سعد البازعي )

 

 

  

- 1-

   أظن أن شراء الكتب والإقبال على اقتنائها ، في عصرنا الحالي ، هو نوع من التحصين لذواتنا المعرضة للخطر في مواجهة تيار الاستهلاك العارم ، وتحوُّل الدولة التسلطية العربية ( ومنْ يساندها في الخارج ) إلى غول ووحش مفترس يشكل خطراً ماحقاً على ذواتنا الهشة المعرضة للذوبان والاندثار .

    وفي سياق كهذا يبدو الاهتمام بالكتاب نوعاً من التحدي نمارسه لتوكيد ذواتنا وقدرتنا على الصمود في وجه العواصف الهوجاء التي تتهيأ للانقضاض علينا وتدميرنا، إنه وسيلتنا لقول " لا " في وجه شركات الإعلان والاستهلاك ، وأداتنا لإثبات أننا لا نزال نحمل قيماً عليا ومثلا جمالية ، ولا نزال قادرين على الحلم بمستقبل وضَّاء تلوح بشائرُه في الأفق رغم السواد والظلمة الماحقة التي تحيط بنا من كل جانب.

    قد يكون كل ما نحلم به نوعاً من "العبط "الذي لا يستند على أساس موضوعي أو على قوى فاعلة في بنياتنا الاجتماعية ، ولكنه يبقى الدليل الوحيد على أننا أحياء ، ونقاتل بضراوة كي نستحق الفوز بمفهوم "الإنسان" عن جدارة . 

-2-

  وفي ظني أن القارئ الذي يقدم على القراءة دون منهج يهتدي به ، أو فكرة يستظل بها أو يبحث عنها ؛ لن يحصل على زاد يبقيه صامداً في وجه التحديات التي تواجهه من كل جانب .

     وأفضل القراءات هو ما يخدم هدفاً استراتيجيا لصاحبه ، أو مثلاً أعلى يسعى إليه ، وأما القراءات العشوائية التي تترك للمزاج ، وتفضي إليها الرغبة في التسلية وتزجية الوقت فهي قراءات لا تغني ولاتسمن من جوع .

    وبعض من عرفت من الأصدقاء يضع خطة منهجية لقراءته ، و يقرأ لأسماء محددة يرى أنها تمثل قمماً في عصرها ، وخلاصة لزمنها في الأدب والفلسفة والاقتصاد والفن وغيرها ، ويهتدي في ذلك بتجربة من سبقوه ، ومع أننا لا نملك في الوطن العربي كتباً ترشد الراغبين إلى القراءة المثلى ، إلا أن معظم القراء يهتدون ، في الغالب ، بتجربتهم القرائية في الجامعة ، ويستظلون بآراء أساتذتهم أو أصدقائهم ، ويكوِّنون فكرة محددة عما ينشدونه من القراءة .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أبو زيد ونقد خطاب دار العلوم

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 13 يوليو 2010 الساعة: 12:22 م

 

 

البستـــــان

 

 

 

الكائن لا يزال هائجاً

نصر أبو زيد ونقد خطاب دار العلوم

 

 

* أحمد زكي عثمان    

 

 

   * إضـــــاءة :

 

   في ظني أن تراجع دور الجامعة المصرية عموماً ( القاهرة وكلية دار العلوم وغيرها ) عن خطاب العقلانية والتحديث ، الذي دعا إلى انتهاجه أمين الخولي وطه حسين وتلاميذهما ، هو نتاج لتراجع الشريحة البرجوازية المتوسطة عن موضعة شعاراتها في بنية المجتمع المصري ، وقبولها بدور التابع والوسيط ، وتحالفها مع سلطة العسكر الذين هيمنوا على السلطة بيد من حديد ، وانقلبوا هم أيضاً على الشعارات " الثورية " التي رفعوها ، وغدا همهم الاستمرار في الحكم بغض النظر عن العقابيل والمآسي الاجتماعية التي نتجت عن تزعمهم للسلطة.

   وكان طبيعياً ، في ظل عجزهم عن تحقيق ما وعدوا به من إنجازات ، أن ينفضَّ عنهم أنصارُهم ، وأن يبحثوا عن تحقيق أحلامهم في تضاعيف خطاب دعوي آخر ، لم يحسن هو الآخر تقديم حلول ملموسة تدلل على صدق ما يدعو إليه ؛ لأنه كان يفتقد إلى الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية التي تستطيع موضعة ما يدعو إليه في تربة المجتمع المصري ، وتحويله إلى نتائج ملموسة يمكن القبض عليها والإفادة منها ، ولأنه كان يكتفي بدغدغة المشاعر والأحاسيس بلغة خلبيَّة لا يمكنه تحويلها إلى سلوك عملي أو وقائع مادية ملموسة يسهل القبض عليها ؛ ولهذا اكتفى بزرع الأحلام ومخاطبة النفوس التواقة إلى تحقيق حاجاتها الحيوية بما يشدها إليه ويدفعها إلى الانخراط في ثناياه  .

    وكان طبيعياً في ظل عجز الدولة التسلطية عن الوفاء بما وعدت به أن ينساق غالبية الشباب المصري إلى الانخراط في لجة هذا الخطاب الدعوي المغلق والمتشدد والمدغدغ ، وأن يغدوا أسيرين له ، وأن يبحثوا عن ذواتهم الضائعة في ثناياه ، مع أنه اكتفى بمنحهم وعوداً خلبية سوف يحققها لهم في عالم آخر ، لا شكل محدد له ، ولا سبيل للوصول إليه إلا باحتقار متع الدنيا الزائلة والتفرغ للعبادة والجهاد ضد الكفار والمارقين من أعداء الدين من أمثال نصر حامد أبوزيد .

   هكذا أمكن لمروجي هذا الخطاب أن يحرفوا الصراع عن مجراه الأساسي ، وأن يوظفوه لتحقيق مآربهم الشخصية أو أهدافهم السياسية بعد أن استغلوا الوضع الكارثي الذي يعيشه معظم الشباب المصريين لصالحهم ، وأحسنوا استثمار ما يجري لخدمتهم أو خدمة الشريحة السياسية أو الاجتماعية التي يندرجون فيها .

   وإذا لم يع الشباب المصريون جوهر معاناتهم ، ويتعرفوا إلى  مكمن الداء الذي يعشش في ثنايا حياتهم فسوف يظلون أداة يستثمرها من يريد لتحقيق أطماعه الشخصية دون أن يجنوا من وراء ذلك إلا المزيد من الويلات والمحن على المستويات كافة .

 

* نص المقال :

 

     "لأنّ غمامة "العداء" والرغبة العارمة في "القتل" و"الاغتيال" حوّلت عضو لجنة الترقيات إلى ما يشبه الكائن الهائج الذي يضرب برأسه في كلّ اتجاه. ومن شأن مثل ذلك الهياج أن يصيب صاحبه بالعمى الأكاديمي".

            ( نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، الطبعة الثانية، ص 56 )

 

 

    يشير هذا الاقتباس إلى واحد من المظاهر الفريدة للمعركة السياسية والفكرية التي دارت في تسعينات القرن الماضي حول تكفير الأكاديميّ الراحل نصر حامد أبو زيد، ألا وهو دور المؤسّسة الأكاديمية في إنتاج خطاب التكفير.

   تاريخياً ، كانت المؤسّسات الأكاديمية المصرية سواء تمثّلت في الجامعة عموماً ، أو كلّية بعينها، أو حتّى قسم من الأقسام، روافد في تعزيز خطاب الحداثة الفكرية في البلاد . هكذا كانت سيرة الجامعة المصرية ( لاحقا جامعة فؤاد ثمّ جامعة القاهرة ) التي خرجت للعلن كمشروع وطنيّ تحديثيّ يحاول تقديم المعارف الغربية التي تعجز المؤسّسة التقليدية ممثّلة في الأزهر عن الإلمام بها. وهكذا كانت سيرة مدرسة دار العلوم (كلية دار العلوم لاحقا) التي تأسست بفعل جهود أحد زعماء الإصلاح -على حدّ تعبير أحمد أمين- وهو على باشا مبارك عام 1872.

    رغب على باشا مبارك في تجاوز حالة تكبيل المعرفة من قبل الأزهر. حاول تدريس المصريين المعارف الحديثة التي رأى فيها الأزهر نشازاً لا طائل من تدريسه (على غرار تدريس الجغرافيا والحساب والهندسة). لكنّ الجامعة (القاهرة) و الكلية (دار العلوم) تحوّلتا بفعل تغيّرات مجتمعية وسياسية عميقة إلى أدوات تتنكر أحياناً للرسالة الأساسية التي أقيمتا من أجل نشرها.

   وفي قضية أبي زيد تمكّنت مؤسّسة أكاديمية مدنيّة هي دار العلوم من أن تكون منتجة للتكفير في عملية توزيع أدوار جديدة بينها وبين الأزهر ( ومعه مجمع البحوث الإسلامية ) الذي يتولّى مهام رقابة بعض الكتب ومصادرتها.

     في الاقتباس السابق، كما في الكتاب الذي حواه، يخوض نصر أبو زيد حرباً غير متكافئة ضدّ بوار صناعة الاختلاف الفكري. يحاول  كما حاول غيره، تفكيك البنية الفكرية للمؤسسات الأكاديمية المنتجة "لحالة الحصار العقلي والاغتيال الفكري" ( ص 7).

     منذ بداية القرن العشرين، والمشهد الثقافي المصري يصارع من أجل وضع بعض الخطوط المنظمة لصناعة الاختلاف الفكري. تتحدّد هذه الصناعة من جملة ممارسات ثقافية تبدأ بطرق النقد وأساليبه وكيفية إدارة الاختلاف، وطبيعة القوى المحرّكة لهذا الاختلاف : هل هي قطاعات مثقفين فقط أم أن وراءها فاعلين سياسيين منخرطين في إنتاج هذا الاختلاف أو ذاك أو نبذه. كذلك تتحدد هذه الصناعة بالمساحات والمواقع التي يجري التعبير من خلالها على هذا الاختلاف، هل هي مجرّد أحاديث في وسائل إعلام معيّنة، أم أنّ صدى القضية يتردّد داخل مدرجات الجامعة- إحدى القلاع التاريخية لإنتاج الفكر- أم أنّ القضية صارت عرضة للتكفير والنبذ الديني إذا حدث وجرى نقلها- مثل قضية أبو زيد- إلى المساجد والزوايا.

    ازدهرت صناعة الاختلاف في فترات محدّدة في التاريخ المصري على غرار حملات العقّاد ضدّ شوقي حول معنى الشعر الحديث ، أو حتى في الحملات النقدية القاسية التي شنّها مصطفى صادق الرافعي في كتابه "تحت راية القرآن" ضدّ طه حسين ومحاضراته في الجامعة المصرية (خاصة تلك التي أخرجها في كتابه "في الشعر الجاهلي"). لكنّ الفارق هنا أن صناع الاختلاف لم يلجؤوا إلى المحكمة كي تثبت لهم صحة هذا الرأي من بطلانه، فضلا عن أنّ الجامعة كانت مركزاً يدعم بكل ما يملك حقّ الأكاديمي في أن يبحث ويكتب ويحاضر كما يشاء.

      لم تتمحور صناعة الاختلاف دائماً حول باحث أو مؤلف بعينه. فقد عرف التاريخ الثقافي المصري نمطاً آخر من صناعة الاختلاف يشمل الصراعات الفكرية حول مفاهيم أو أفكار معيّنة على غرار معارك "القديم والحديث" بلغة الرافعي، أو "القدماء والمحدثين" بلغة طه حسين (لاحقا جرى ابتذال النقاش إلى الأصالة والمعاصرة)، أو النقاشات حول مفهوم الخلافة، أو مفهوم الدولة المدنية (تبعات مناظرة الشيخ محمد عبده وفرح أنطون)، أو النقاشات الأولى حول عروبة مصر .

     تكشف هذه النقاشات حول الكاتب أو حول الفكرة عن مناخ ما ازدهرت خلاله صناعة الاختلاف. وساهمت الجامعة بدور رئيس فيه، ذلك أنّها كانت في لحظات كثيرة المنتج المركزي للأفكار الحداثية. لكن حدث أن صادرت السلطات السياسية أو الدينية الحق في الاختلاف، ولجأت إلى أشكال متباينة من العنف والعسف في إداراتها لهذا الاختلاف كتفعيل أدوات الرقابة ومصادرة الكتب والمطبوعات. في هذه السياقات كانت الجامعة تحافظ بأشكال مختلفة (اتسعت أو تقلصت) على رسالتها في دعم الأفكار الحداثية. إلى أن جاءت حادثة نصر حامد أبو زيد.

    رغبت المؤسسة الأكاديمية هذه المرة في إجهاض كلي لمشروع أبي زيد الفكري، داخل الجامعة وخارجها. ولعله من المهم هنا الإشارة إلى أن الأقلام التي انبرت تكتب عن إسهامات أبي زيد بعد رحيله ت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ماركس و الرأسمالية

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 11 يوليو 2010 الساعة: 20:47 م

البستـــــان

 

 

كــارل ماركــس

 

الرأسمالية : هل هي كلمة التاريخ الأخيرة ؟

 

 

* حميد زناز

    

 

      كارل ماركس! لم يتعرّض فيلسوف قطّ لما تعرّض له من التشويه والاستغلال والابتذال. جاءه أكبر الظلم من هؤلاء الذين حاولوا تطبيق فكره بشكل كاريكاتوريّ. ككلّ العظام أساء إليه مناهضوه ومُريدوه على حدّ سواء. بينما حوّله الرأسماليّون إلى عدوّ لدود للحرية والملكية الخاصّة المقدّسة، تحوّل على يد الأحبّاء من مفكّر التحرّر إلى مبرّر للشمولية، ومن محلّل عبقريّ للنظام الرأسماليّ إلى مجموعة من الشعارات الديماغوجية النضالوية، ومن مراقب دقيق للحراك الاجتماعيّ ومنظّر لحركة التاريخ الجدلية إلى متّكأ نظريّ لمادية ميكانيكية حزينة. ومن ورشة فكرية مفتوحة إلى ماركسية مغلقة، ومن نظرية جدلية حيّة إلى منظومة ميتة جامعة مانعة.

   كان ماركس ينشد الإنسان الشامل، فلم تقدّم بلاد السوفييت وأخواتها سوى مخلوقات مقهورة لا تفكّر سوى في التخلّص من الشمولية المفروضة عليها بالماركسية.

   ذات عام، في إحدى حانات بودابست الشيوعية، قلت مازحا لشابّ عربيّ لطيف "الحمد لله الذي جعلني أعرف ماركس قبل أن أعرف الأنظمة الشيوعية". أجابني ماكراً ضاحكاً :" أحمد الله أنني عرفت الدول الاشتراكية قبل كل البلدان".

    ملأ ماركس الدنيا وشغل الناس، لكنّ أغلب الناس لا يعلمون وإنما يجهلون كل شيء عن فكر الرجل. يثرثر الناس عن الكاريكاتور الذي قدّم لهم بل الذي اختلق لهم، إذ من الصعوبة أن يجد أيّ كان الوقت ولا الصبر للاطّلاع على كلّ أجزاء "رأس المال" ويهضم ما جاء فيها ولو نسبيا، وكذا "مخطوطات1848" و"مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي"…

     لم يذهب أكثر الناس تعصّبا لأفكاره، في البلدان التي كانت تدّعي التمركس، إلى أبعد من قراءة "البيان الشيوعي"، ذلك الكتاب السياسي العامّ الذي أمضاه مع رفيق دربه فريديريك أنغلز، والذي تم حتى تلحينه موسيقياً. أمّا في العالم العربيّ فحدّث ولا حرج! ففضلا عن رداءة الترجمات وضعف المقروئية المزمن، هناك عداء دينيّ طفوليّ لأفكاره وحظر لتداول كتبه، وتلك التي تناولت فكره حتى في الجامعات في بعض الدول العربية الأصولية ، ولم يقدم للقارئ والطالب سوى تلك الكتب الدعوية الدعائية التي ترسم الــ "ماركس" الذي تريد، فتعرّفه بما ليس فيه، ثم تنتقد وتشتم تعريفها مدّعية نقد الفيلسوف. وهكذا تكوّنت مجموعات عداء مناضل ضدّ ماركس متخيّل، يهوديّ، همّه الوحيد في نظرهم محاربة الدين بل الدين الإسلامي ليس إلا. وهكذا وجد فكر ماركس نفسه مختزلا في عبارتين سريعتين تبسيطيتين أولاهما نضالوية "يا عمّال العالم اتحدوا"، المرفوعة من قبل شيوعيين شعوبيين. وثانيهما تشويهية "لا إله والحياة مادة" عبارة الأصوليين السخيفة المدّعية الإحاطة بماركس والماركسية.

    كان القصد من الدعوة إلى القضاء على الدين بوصفه سعادة الشعب الوهمية، هو المطالبة بسعادة الشعب الحقيقية حسب الأخ ماركس، ولكن الكومبرادورية العربية عملت كل ما في وسعها لتأبيد سعادة العرب السماوية ليخلو لها جوّ التمتع بسعادة الأرض.

    لا يمكن لهؤلاء وأولئك المصابين بالفهم المبتذل للمادية، أن يعرفوا أن ماركس المفكّر تمكّن من النفاذ علمياً إلى جوهر المنظومة الرأسمالية الأكثر تطوّراً في زمانه واستكشاف آليات اشتغالها وتعقّل منطقها الدائم الذي يؤدي حتماً إلى أزمات متتالية وإلى شخصنة الأشياء وتشييئ الأشخاص . لو فقهوا هذه الفكرة لما انطلت عليهم ولا على الذين من قبلهم لا أضحوكة أخلقة الرأسمالية ولا أزعومة الفصل بين الأزمة المالية وأزمة الاقتصاد الحقيقي، ولأدركوا أنّ منبع الأزمة هو الإنتاجوية السلعوية، ولكانوا قد وعوا أنّ الأزمة مستمرّة لأنها هيكلية، وعلى ذلك لا يكفي تغيير علاقات الإنتاج بل ينبغي تغيير نمط الإنتاج ذاته إذا أراد الناس تجنّب الهزّات واحترام الطبيعة. لقد عاش في الرأسمالية الأكثر تقدّماً في عصره ومع ذلك حللها تحليلا دقيقاً ووصل إلى نتيجة هي اليوم موضع إجماع علماء الاقتصاد مفادها أن لا رأسمالية بدون أزمات.

    وعلى عكس الفهم المبتذل للمادية التاريخية، لا تتغير الأشياء أوتوماتيكياً، فماركس ليس "جبرياً تاريخياً". فالناس هم الذين يغيّرون حياتهم ، وإن كان ذلك تحت شروطهم التاريخية. ولئن كان ماركس مفكّر التحرّر من الاغتراب بامتياز، فإنّ الفرد لا يستطيع أن يتحرر بمعزل عن المجموع.

    انصبّ اهتمام ماركس بتحليل ما هو كائن قبل أن يفكّر في ما ينبغي أن يكون. الدعوة إلى تجاوز الرأسمالية كان نتيجة فكر وعلم، ولم يكن الفكر والعلم لدى ماركس مجرّد تبرير للدعوة إلى بديل لارأسمالي. ولم يكن تصوره المادي للطبيعة والتاريخ فكرة مجندة لصراع سياسي ظرفي وإنما كان اكتشافاً علمياً فلسفياً. ورغم أكاذيب وأباطيل يبثها الإنجيليون الأمريكان في التلفزيونات العربية هذه الأيام بمباركة الإسلاميين تحت شبهة علمية مسوقة تحت عنوان "التصميم الذكي"، فالعلم الحديث يقترب اليوم من التصوّر المادّي للعالم والكون لا من التصوّر المثاليّ.

   لم تفشل الشيوعية بالمعنى الماركسيّ الذي هو امتلاك الناس لوسائل الإنتاج والثروة، بل الذي فشل في الاتحاد السوفييتي هو مصادرة ثروة الناس ووسائل إنتاجهم. سقطت الشيوعية المعلبة لأنها حولّت الماركسية إلى لاهوت بروليتاري غلّب الإيديولوجيا على الإبستومولوجيا. وليس من الغريب أن تقدّم عن ماركس أهمّ وأعمق البحوث وأثمرها في جامعات الغرب وليس في جامعات شرق أوروبا التي رفعته وثناً.

     في نهاية السبعينات مرّ لمدة قصيرة بجامعة الجزائر أستاذ علم اجتماع أمريكي شابّ من أصول عربية ورغم عربيته المتواضعة كان أستاذاً رائعاً. قال لنا هو الذي لم يكن يخفي ماركسيته أنّ البلدان الغربية أقرب إلى روح الماركسية من البلدان الشرقية، فتعجّبنا جهلا آنذاك إذ لم نكن ندري من جراء التعتيم الإعلاميّ ماذا كان يقع في السويد ورومانيا مثلا !

    واليوم، مع استفحال أزمة الرأسمالية ، يتحدّث الكثيرون عن "عودة ماركس" فهل غادرنا ماركس يوماً ؟ اختفى ماركس المفبرك، الحزبيّ، ولكن لا أحد يستطيع "تسفير" ماركس عالم الاقتصاد وعالم الاجتماع والمناضل الأمميّ، لأنه بكل بساطة هو واحد من أربعة يعدّون أهمّ مفاتيح فهم التاريخ والإنسان والكون: ماركس، داروين، فرويد، وإنشتاين.

    في بداية التسعينات، بعد سقوط جدار برلين والمنظومة الشيوعية برمّتها قادني تصعلكي إلى مدينة تريف الألمانية ، وكانت مناسبة سعيدة للحجّ إلى المنزل الأنيق الذي تربّى فيه كارل ماركس. هو في حيّ جميل جداً ، ويلقى عناية فائقة ، ويتمتّع بزيارة الكثير من الناس من كل بقاع العالم. ورغم كل شيء تلاحظ الزائرة أو الزائر مدى الاحترام الذي يكنه له الألمان. لا تزال غرفته على حالتها ، وكلّ أثاث كانت له معه علاقة في البيت العائليّ.

   لست أدري لماذا تذكّرت وأنا أغادر بلاد كارل ماركس ذلك اليوم المشؤوم وكان ذلك في نهاية الثمانينات حينما وصلت إلى قرية الدرعان قرب مدينة عنابة الجزائرية باحثاً وراغباً في زيارة البيت الذي ولد فيه الفيلسوف ألبير كامو، وكانت الصدمة حينما وجدت عمالا منهمكين في تهديم كلّ الحيّ الذي يوجد به بيت صاحب "الغريب" و"أسطورة سيزيف" و"الإنسان المتمرّد". وقد ندّدت بذلك العمل الشنيع على صفحات جريدة لوماتان الجزائرية آنذاك.

    فمتى نتمرّد في العالم العربي على القراءة المتسرّعة وعن إهمال ما لا يجب إهماله؟

    متى ننتقل من العيش السياحي في العصر إلى تملك روح العصر؟

 

التعليق على هذا المقال

 

 

 

تعليقات حول الموضوع

 

 

أبوظبي - أحمد عزيز الحسين

24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 20:06

 

 

 

 

 1 - إذا طبقنا المنهج الماركسي في قراءة مقال أخينا " زنّاز" ، فسوف نوافقه على أن الماركسية لم تضع جواباً قاطعاً ومانعاً لعلاقة الإنسان مع واقعه ، بل قدمت منهجاً وطريقة معينة في رؤية هذا الواقع ، وهذه الطريقة تعني ببساطة أن لكل منا رؤية مغايرة للآخرين في توصيف هذا الواقع والحكم عليه شريطة إيجاد علاقة جدلية بين المتن الواقعي المنظور إليه ، والنتائج المستنبطة من هذه الرؤية . وينبغي عند الخلوص إلى حكم "ما" ، في وصف الواقع وتقييمه ، الانطلاق من المعطيات الموضوعية الموجودة بين أيدينا بحيث تتناسب الحلول المقترحة لهذا الواقع مع طبيعته المادية أو الاجتماعية أو الأيديولوجية ، وتأخذ بالحسبان مصلحة الشريحة الاجتماعية الأكثر عدداً والأكثر حاجة إلى التغيير ؛ ومن هنا فنحن لا نستطيع أن نقول : إن(الرأسمالية هي كلمة التاريخ الأخيرة ) ، كما عنون صديقنا "زناز" مقاله محقاً ؛ لأن ذلك يتناقض مع كون الماركسية جدلية ومفتوحة على الواقع ، بوصفه نصاً قيد التشكل باستمرار، كما يتناقض مع المنهج الماركسي الذي لم يُعنَ بإطلاق الأحكام على الواقع الموَّار من حوله ؛ بل قدَّم طريقة محددة لمعاينته ووصفه .

 

الرد على التعليق

 

 

أبوظبي - أحمد عزيز الحسين

24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 20:09

 

 

 

 2 - ولم يدّع " ماركس"نفسه أن الجواب الذي يقترحه لوصف هذا الواقع ، أو قراءته ، هو الجواب الوحيد والممكن ، أو هو الجواب العلمي الوحيد ، كما ادّعى بعض أنصاره فيما بعد ، لأن الماركسية لم تكن عقيدة أو مذهباً دينياً ، كما فهمها " المتمذهبون " من الماركسيين ولاسيما العرب منهم ؛ ولو كانت كذلك لانفصلت عن الواقع الذي تقاربه ، وتحاول القبض على خصائصه النوعية ، وغدت أقرب إلى " العلم " الذي ألصق بها زوراً وبهتاناً ؛ و العلمُ ، مهما حاول الإمساك بالحقيقة والاقتراب منها ، يبقى" نسبياً " حتى في أفضل صوره وأنساقه ؛ في حين أن " الأيديولوجيا " لا يمكن أن تكون علمية البتَّة ، لأنَّ كونها " علميَّة " يتناقض مع كونها " أيديولوجيا " ، أي رؤية معينة للواقع أفرزتها شريحة معينة في سياق مُحدَّد .

 

الرد على التعليق

 

 

أبوظبي - أحمد عزيز الحسين

24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 20:11

 

 

 

 3 - ولما كانت الشرائح الاجتماعية متنابذة ومتغايرة في رؤيتها للواقع وتقويمها له بسبب اختلاف مصالحها ، والموقع الذي تحتله في الهرم الاجتماعي والإنتاجي ، يصبح من الطبيعي أن يكون لدينا مجموعة من الرؤى المتغايرة المتجاورة لا رؤية واحدة في بنية الوعي الاجتماعي لمجتمع ما ، أي يتوافر لدينا مجموعة من الأيديولوجيات لا أيديولوجيا واحدة ، وكل واحدة من هذه الأيديولوجيات تملك الحق في أن تزعم للمتلقي ، الذي تتوجه إليه ، أن رؤيتها للواقع أكثر " علميَّة " من غيرها ، وأكثر فهماً للواقع وتحليلاً له وامتلاكاً لقوانينه الموضوعية من الأيديولوجيات الأخرى .

 

الرد على التعليق

 

 

أبوظبي - أحمد عزيز الحسين

24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 20:14

 

 4 - والواقع أن " تبْيئة " الماركسية في المجتمعات البطركية أو الاستبدادية عموماً ، إنْ في روسيا أو الوطن العربي أو أوروبا الشرقية أو غيرها ؛ أنتج صورة مُشوَّهة ومُزيَّفة من الماركسية كانت أقرب إلى المذهب الديني الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ولم يكن ذلك خلاصة لتفاعل الماركسيين العرب أو غيرهم مع المتون الماركسية " الأساسية " ، التي ألفها ماركس نفسه وصديقه إنجلز كما ذهب صديقنا " زناز" ، بل كان نتيجة لتواصلهم مع " المختصرات الممسوخة " التي أعدتها الأحزاب الشيوعية العربية أو غيرها عن الماركسية ، وزعمت لأنصارها أنها تعطي صورة حقيقية عن هذه "الماركسية " ، وتشكل دليلا ومرشداً لقراءتها وفهمها ، وغدت هذه المختصرات " دمغة جاهزة " تستخدمها هذه الأحزاب لصرف الأنظار عن المتون الماركسية الأصلية ، وتطويب دلالتها وفق رؤية " علمية" مدّعاة لا علاقة لها بالماركسية من قريب أو بعيد .

 

الرد على التعليق

 

 

دبيّ/حمص - محمد محيي الدين مينو

25 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 08:05

 

 

    لا شكّ - يا صديقي أحمد - في أنّ ماركس تعرّض للتشويه كأيّ مفكر وكأيّ ( رسول ).. وإذا كان ( الإسلاميّون ) قد أساؤوا إلى ماركس حقّاً فإن الماركسيّين أنفسهم - ولا سيّما الماركسيّون العرب - قد أساؤوا فهمه أيضاً. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي المريع نحتاج نحن الماركسيين النشامى إلى إعادة قراءة ماركس من جديد، وذلك بعد أن تطوّرت ( آليّات ) قراءة النصوص على يد بارت وكرستيفا وإيكو ودريدا وغيرهم.

    وما كتبه أستاذنا حميد زناز ليس إلاّ مقدّمة لهذا الحوار الطويل الذي نحتاج إليه كما يحتاج إليه ( الأوان ).

    كيف سنعيد ( إنتاج ) ماركس في ظلّ ظروفنا الجديدة ؟

     هو سؤال كبير وعصيّ عن الإجابة ، لعلّ قرّاء الأوان يحاولون المشاركة في الإجابة عنه ، وللأستاذ زناز أرفع ( قبعتي ) احتراماً ومحبّةً وتقديراً..

 

الرد على التعليق

 

أبوظبي - أحمد عزيز الحسين

25 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 14:30

 

 

 

1- أحسنتَ صنعاً ، يا صديقي محمد ، في وضع كلمة " الإسلاميين " بين قوسين ، وأظنك تقصد بها "الإسلامويين " وليس الإسلاميين ، وأظنك تعلم أن " التشويه " أو " التحريف" الذي تعرضت له نصوصُ ماركس لم يقمْ به " الإسلاميون " لأنهم " إسلاميون " ، أو لأنهم يعتنقون أيديولوجيا دينية محددة هي الإسلام ، بل قام به كل من تعامل مع نصوص ماركس على أنها نص

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حوار مع إبراهيم أصلان

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 9 يوليو 2010 الساعة: 09:52 ص

 

البستـــــان

 

حوار مع إبراهيــم أصــلان

عشــت عمــري كلــه مرعوبــاً مــن الكتابــة!

 

دوره فــي «حجرتــان وصالــة»

أن يتيــح للكِتاب أن يُكتــب لا أن يَكْتُبَــهُ

 

أجرى الحوار : منصورة عز الدين

 

 

 

      يشبه إبراهيم أصلان كتابته لدرجة كبيرة. لحضوره الأناقة نفسها. حين تستمع إليه وهو يحكي تتحول كلماته على الفور إلى مشاهد تتحرك أمامك. وكما يحرص في أعماله على ألاّ يفكر نيابة عن قارئه وألاّ يفرض عليه معنى بعينه ، تجده ، في كلامه، متوجساً من التورط في أحكام يقينية. لذا كان ، من وقت لآخر ، يعيد التأكيد على أنه لا يتكلم عن الصيغة المثلى للكتابة ، إنما فقط عن وجهة نظره المنطلقة من تجربته. التقيته ، وفي ذهني أن اللقاء لن يستغرق أكثر من ساعة ، فإذا به يمتد لأربع ساعات متواصلة دون لحظة ملل واحدة. وكانت النتيجة هذا الحوار الذي بدأ بعمله الأحدث «حجرتان وصالة» وانتهى برؤيته لأبناء جيله.

 

* السفيــر :

 

 

سوف أبدأ من التصنيف الموضوع على غلاف «حجرتان وصالة»، لماذا الحرص على تصنيف الكتاب كـ«متتالية منزلية»؟

 

* أصـلان :

 

 

لا يوجد أي حرص على هذا. وجدت أن «متتالية منزلية» تعليق لا يخلو من طرافة. لكن يمكنك اعتبار العمل مجرد كتاب، وأنا عادة أتعامل مع أي كتاب أثناء كتابته باعتباره كتاباً له ملامحه وشخصيته المستقلة، وهذا يعني، قدرته على التأثير أو البقاء إن أمكن. لا يهمّ إن كان هذا الكتاب مجموعة قصصية أم رواية. التصنيف يتم عادة من قِبل الناشر، لكني أثناء الكتابة أكون مشغولاً بإنشاء الكتاب كحالة متكاملة، فحتى لو كان مجموعة قصصية، أحرص على ألا تكون القصص منفصلة عن ارتباطات أعلى بالمجموعة ككل، أي أنني انتقل من حالة لأخرى لاستجلاء عالم مرتبط ببعضه بعضاً من أجل تقديم حالة جمالية متكاملة ومترابطة.

 

* السفيــر :

 

 

لكن ألاحظ أنك أكثر أبناء جيلك اهتماماً بفكرة التصنيف ظاهرياً على الأقل. الكتابان السابقان «خلوة الغلبان»، و«شيء من هذا القبيل» حرصت على تصنيفهما كنصوص سردية.

 

* أصلان :

 

 

هذه النصوص السردية كانت قائمة على وقائع حقيقية مع استخدام تقنيات القص. لديّ اعتقاد أن أهمية المادة التي تتعاملين معها لا تُكتسب من كونها مادة متخيلة أم واقعية تعتمد على وقائع حياتية، إنما تنبع الأهمية من الطريقة التي تتعاملين بها معها. هذا ما يهمّني بالأساس، وثمة هاجس دائم لدي بأن الواقع ممتلئ بإمكانيات إنسانية وجمالية ونقدية كثيرة، وإذا قام الواحد منا بتأهيل نفسه جيداً للتعامل مع هذا النثار اليومي، يمكنه أن يخرج بأعمال فنية بالأساس رغم أنها وقائع يومية.

«خلوة الغلبان» و«شيء من هذا القبيل» كانا وقائع حياتية. لجأت لتقنيات قص بالكامل، لكني كنت أتغلب على المحاذير الإبداعية التي أرى أنه لا يليق التجاوز عنها. بهذا التصنيف منحت نفسي مساحة أرحب، واستطعت التغلب على خوفي.

 

* السفيــر :

 

 

كانت إذاً حيلة نفسية للتحرر؟

 

 

* أصـلان :

 

 

 

بالضبط. لأنني مع الوقت أصبحت أراعي بشدة مجموعة من المبادئ التي أضحت بشكل تلقائي جزءاً من شغلي. هذه المبادئ تحجب المساحات التي لا تتلاءم معها. وكنت أريد اختبار هذه المساحات، وهذا الشكل من الكتابة أتاح لي ذلك.

 

 

* السفيــر :

 

 

إذاً لم يكن الغرض من تصنيف «حجرتان وصالة» كمتتالية منزلية إبعاده عن أن يُصنف كرواية.

 

* أصـلان :

 

 

إطلاقاً. تقديري أنه عمل روائي. «حكايات حارتنا» لنجيب محفوظ كانت حكايات لا علاقة بينها غير أنها حدثت في «حارتنا». كان المكان فقط هو ما يجمعها ببعضها بعضاً. في «حجرتان وصالة» المكان واحد والشخصيات وخلافه، كما أنه يجب أن يُقرأ بالترتيب. هو عمل روائي.

 

* السفيــر :

 

 

على ذكر المكان، أشعر أن المكان هو البطل الأول للعمل بدايةً من العنوان، حتى أنك لم تركز كثيراً على وصف الشخصيتين الرئيسيتين قدر اهتمامك بوصف المكان الذي يتحركان فيه وجعله مرئياً للقارئ.

 

* أصـلان :

 

 

عنوان الكتاب له - كما تعرفين - مدلول شعبي شائع جداً في موروثنا الشفاهي.

 

صحيح. معظم الأسر المصرية تعيش في شقة من حجرتين وصالة، كما أن العنوان يشير لطبقة محددة ويرسم ملامح اجتماعية واقتصادية معينة للشخصيات.

بالضبط. أثناء الكتابة كان يعنيني تأمل اللاشيء الجامع بين زوجين متقدمين في العمر. لأنك لو تأملتِ أي علاقة ستجدينها قائمة على نسيج هين جداً ولا يصلح لشيء على الإطلاق. البطلان هنا مسنان جداً، ومحاولة تأمل مجموعة التفاصيل العينية التي تدور عليها حياتهما هي أساس الكتاب.

 

 

* السفيــر :

 

 

هناك من كتبوا أنك بهذا العمل أبدعت للشيخوخة أدبها، ما رأيك في توصيفات كهذه؟

 

 

* أصـلان :

 

 

الكتاب من الممكن أن يؤدي في النهاية لقراءات مماثلة لأنه مكتوب عن اثنين تقدم بهما العمر. لم أقصد هذا، لكني كبرت، وأنتِ عندما تكبرين ستجدين أن العالم الذي تحبينه يكبر معكِ، وهذا شيء لطيف. من هنا أحببت تأمل علاقة تقدم بها العمر وأصبحت صلاحيتها شبه منتهية (يضحك). ثم أنه من الكتب القليلة التي أكاد أشعر أني لم أكتبها. رغم ما تحتمله العبارة من إدعاء، أشعر أن هذا الكتاب كُتِب من خلالي. لم أجد في كتابته أي عنت إلا المجاهدة مع البناء والصياغة وتحويل الأمر إلى جهد غير ملموس. هي كتابة تجفف عرقها تماماً. الكتاب يتحول في النهاية إلى ابتسامة تقابلين بها شخصاً آخر، لدرجة أني لا أتذكر محطات في كتابته، وكيف جرت الأمور على هذا النحو. لا أعرف كيف جاءت التفاصيل، شعرت فقط أن دوري أن أُتيح لهذا الكتاب أن يُكتب، لا أن أكتبه أنا.

 

 

* السفيــر :

 

 

هذا الشعور وصل للقراء. أثناء القراءة أحسست أن خليل وإحسان شخصيتان موجودتان فعلاً، وأن دورك هو أنك فقط جعلتهما مرئيتين لي.

 

 

* أصلان :

 

 

 وصلني هذا من قراء كثيرين. وسمعت أن كثيراً من الأزواج يتبادلون الكتاب. في هذا الإطار اعتقد أنه نجح في إزالة العوائق بينه وبين أي متلقٍ.

 

بست سلر

 

* السفيــر :

 

 

بالمناسبة، الطبعة الأولى نفدت خلال أسبوعين فقط، ما إحساسك بعد أن أصبحت «بست سيلر»؟

 

* أصـلان :

 

 

هذه أول مرة يحدث معي هذا، وبدأت أقتنع أن الـ«بست سيلر» من الممكن أن يكون دلالة على شيء طيب. (يضحك).

 

* السفيــر :

 

 

هل تعرف أنني كلما قرأت لك أتساءل عن سبب تمسكك شبه الدائم بالراوي المحايد؟

 

* أصـلان :

 

 

هو انحياز شبه دائم بالفعل. الحياد هنا ليس تعبيراً عن موقف فكري بقدر ما هو أداة فنية، لأن القارئ لا يقرأ الكاتب كي يعرف انحيازاته. انحياز الكاتب يُعرف من جملة، من رأي ولا يستحق التعبير عنه مشقة كتابة كتاب. نحن نقرأ كي تساعدنا الكتابة على اتخاذ مواقفنا، وهي ليست مجالاً لي ككاتب للتعبير عن مواقفي. هذا نوع من الحضّ لا أحبه، وأرى أن عليّ أن أعمق في نفسي إحساس شاهد العدل الذي يتوخى الأمانة وهو يعرض الحالة لأنها أخطر من أن يقول رأياً فيها. الغرض في النهاية أن يأخذ المتلقي مواقفه على ضوء ما يتلقاه.

 

* السفيــر :

 

 

قد يرجع هذا الانحياز للراوي المحايد إلى أنه من أكثر أنواع الرواة اهتماماً بالمشهدية، إذ يقدم العالم عبر مشهد بصري محايد لا يفصح عما وراءه، وأنت رؤيتك بصرية بالأساس.

 

* أصـلان :

 

 

صحيح. أنتِ عادة ما تجدين نفسك مدفوعة إلى تقنيات تتوافق مع إمكاناتك وطبيعة رؤيتك للكتابة، ودورك ككاتب. أنا رؤيتي بصرية بالفعل. وعندي معركة طويلة جداً مع اللغة رغم أن هذا لا يظهر بسهولة.

 

 

* السفيــر :

 

لغتك تبدو كما لو كانت تأتيك بسهولة.

 

* أصـلان :

 

 

وأنا أكتب أريدك بالأساس أن تري وتسمعي وتتذكري وتحسي. إذا قرأتِ بدرجة من العنت، إذاً أنتِ لا ترين إلا بشيء من العنت. أنا أريدك وأنتِ تقرئين كأنك في مواجهة كادر حي ينمو فيه حدث وتتحرك علاقات. هذا ما أتوخاه، وهو يتضمن بعض الأشياء التي قليلاً ما أصرح بها.

يتضمّن مثلاً أني إذا كنت أسعى نقيضاً لفعل القراءة فأنا أسعى نقيضاً للدلالة، لأني ليس لديّ معنى أرغب في توصيله للقارئ. أنا أسعى نقيضاً للدلالة سعياً لدلالة أخرى تتوصلين لها بنفسك. أسعى لأفق آخر. لا أبدأ بدلالة أحاول البرهنة عليها في العمل، لأن الحقيقة الفنية عموماً ليست بحاجة إلى برهان. هي شبيهة بحقيقتك وحقيقتي، وأي إنسان وجوده لا يتطلب برهاناً على أنه موجود. هذا مسعاي، وهو ما دفعني للعناية بالفنون المرئية، وبالإمكانات الفنية الموجودة فيها. كنت راغباً في إغناء الوسيط الذي أعمل من خلاله، لأن اللغة ليست الوسيط المناسب لتقديم شيء مرئي. بمعنى أنكِ إذا دخلتِ إلى مكان وأردتِ وصفه سوف تنتقلين من تفصيل لآخر عبر جمل يعبرها القارئ، ويكون من الصعب عليه أن يرى المشهد كاملاً مثل كادر سينمائي أو مثل لوحة، فأنتِ تأخذين الوسيط الذي تشتغلين عبره للتعرف على إمكانات أخرى. مثلاً في ما يخصّ العلاقات بين الأشياء، لو توقفتِ عند تفصيل ما، وأنتِ تقرئين تكون هناك علاقة ما تربطك بشيء آخر فتتردّد التفاصيل مع بعضها بعضاً داخل الجدارية، ويكون هناك حدث ما دائر نتيجة لهذه العلاقات حتى لو كانت صامتة. لو أنصتنا بشكل جيد فسنشعر أن هناك حواراً ما بين هذه الأشياء.

 

* السفيــر :

 

 

بالعودة للراوي، هل حاولت ذات مرة أن تكتب براوٍ عليم مثلاً أو بضمير الأنا ووجدته غير مناسب؟

هل كتبت بضمير الأنا من قبل.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

جبهات الجابري

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 26 يونيو 2010 الساعة: 10:25 ص

البستــــان

 

جَبْهَاتُ الجَابِريِّ

 

عناصِرُ عديدَةٌ صنعَتْ خلفيَّاتِ منتوجِهِ النظريِّ

في الفلسَفةِ والترَاثِ ومواقفَهُ الوطنيَّة والقوميِّة

 

 

 

* كمال عبد اللطيف

 

 

  * إضـــــاءة :

 

 

   أتيح لي أن أقرأ معظم ما نشر في الصحافة الورقية والإلكترونية من مقالات أو دراسات عن العلامة محمد عابد الجابري بعد رحيله ، وأظن أن المحاضرة التي ألقاها الباحث المغربي كمال عبد اللطيف في المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان في أبوظبي  هي أكثرها عمقاً وأكثرها قدرة على الإحاطة بتراث الجابري وإنجازاته الفكرية على مختلف الصعد ، ولذا ارتأيت نشرها في المدونة احتفاء بالجابري وما أضافه إلى حياتنا الثقافية العربية المعاصرة من ثراء فكري في العقود الثلاثة الأخيرة .

 

 

 

* نص المحاضرة :

 

 

    ساهمت الأعمال الفكرية التي أنتجها الأستاذ محمد عابد الجابري، في بناء مجموعة من المواقف والاقتناعات الفكرية والتاريخية، في موضوع قراءة التراث العربي الإسلامي، وفي موضوع التفكير في مشروع النهضة العربية. وقد تميزت هذه الأعمال بقدرتها الكبيرة على تحقيق نوع من الانخراط المنفعل والفاعل، في فضاء الفكر العربي المعاصر.

     ونحن نعتقد، أن ما مَنَحَ إنتاجه الفكري الاعتبار الرمزي، الذي ناله في المجال الثقافي العربي، طيلة العقود الثلاثة المنصرمة من القرن الماضي، هو كفاءته في صوغ سِجلٍّ من الأسئلة الموصولة بمجالات الصراع السيـاسي في فكرنا.

    لقد تمكن الجابري بفضل تجربته في الحياة ونوعية حضوره في المشهد السياسي المغربي والعربي أن يركب جملة من المصنفات، ويبني صرحاً فكرياً لا نجازف عندما نعتبر أنه يعد واحداً من بين مجموعة قليلة من الصروح النظرية، الفاعلة في قلب الحركة الفكرية العربية المعاصرة.

    وإذا كنا نسلم بأن أسئلة الفكر العربي المعاصر اليوم، تعكس بمناهجها الخاصة في المقاربة والفهم، نوعيات تمثلها لمختلف أشكال الصراع الحاصلة في الواقع، فإن الأعمال الفكرية المُؤسَّسَة في فضاء هذا الفكر، ومن بينها أعمال الجابري، تعد في كثير من أوجهها بمثابة الروح المعبرة عن أنماط من التوتر والتحول الحاصلة في الواقع العربي.

   وما يعزز حكمنا السابق، هو نوعية انخراط محمد عابد الجابري في مجابهة إشكالات عصرنا. فقد مَكَّنه انخراطه في البحث، المسنود باختيارات إيديولوجية وفلسفية معلنة وواضحة، من تحقيق نوع من الحضور الثقافي والسياسي المتميز. ونحن نفهم هذه المسألة بكثير من الوضوح، عندما نأخذ بعين الاعتبار مبدأ عدم إمكانية فصل أعماله الفكرية عن ممارسته السياسية وسياسته الثقافية. فقد ساهم التزامه بالعمل السياسي المباشر، كما ساهمت ممارسته الفكرية الموصولة أساساً بقضايا الصراع الإيديولوجي والسياسي في المغرب وفي الوطن العربي، في عمليات بنائه لجملة من الاقتناعات الهادفة إلى تطوير المجتمع العربي.

     وعندما نراجع سيرته الثقافية، ونحن نتابع عمليات إنتاجه المنتظِم للمصنفات التي تراكمت طيلة ما يزيد على أربعة عقود من الكتابة والبحث والتدريس، ندرك أننا أمام جهد فكري لافت للنظر، بكفاءته في التنظير والتركيب، وبحرصه الشديد على العناية بمتغيرات الواقع في تحولها المتواصل، إضافة إلى احتكام إنتاجه النظري إلى جملة من المبادئ والمقدمات العامة التي لايمكن أن يفهم من دونها.

    انطلاقا مما سبق، يمكننا في بداية هذا العرض، الذي نتوخى منه التوقف أمام محورين كبيرين، محور نهتم فيه ببناء الجبهات التي خاض فيها معارك متعددة، وفيها تشكل مساره في الفكر وفي العمل وفي الحياة. ونتوقف في محور ثان، أمام السمات الكبرى التي تحدد طبيعة إنتاجه وخصائصه العامة.

     يقف المتابع والمهتم بالمسار الفكري لمحمد عابد الجابري، على جملة من العناصر الصانعة لخلفيات منتوجه النظري الفلسفي، سواء في المجال الفلسفي أو في مجال قراءاته للتراث، أو إنتاجه الذي بنى فيه مواقفه الوطنية والقومية وتصوراته لمشروع النهضة العربية.

 

* جبهات ومعارك :

 

      نتجه في بداية هذا المحور إلى استعراض الجبهات التي صنعت المسار الفكري لمحمد عابد الجابري، يتعلق الأمر أولا بجبهة تدريس الفلسفة في المدرسة وفي الجامعة، ثم جبهة التراث، وهي جبهة خاضها وهو يبحث عن صيغة جديدة للمواءمة بين التراث وبين مقتضيات الحداثة والتحديث، في زمن جديد اتسم بثورات عديدة في المعرفة والسياسة والتكنولوجية. ثم ثالثا جبهة العمل السياسي، وقد انخرط فيها يافعاً ، وظل حضوره المتفاعل مع مقتضياتها قائما، حتى عند مغادرته للعمل السياسي المؤسسي، بحكم أن مشروعه الفكري لم يكن مفصولا عن عمله السياسي ، وذلك من الزاوية التي ارتأى أن يمارس بها حضوره السياسي، سواء في المستوى الوطني أو في المستوى القومي، أو في المستويات الأخرى التي كان لا يتوقف عن إبداء الرأي فيها، معتمداً البعد النقدي والرؤية التاريخية، أثناء مواجهته للإشكالات التي يطرحها فضاء العمل السياسي في عالم متغير (مواقفه من العولمة والإرهاب وحوار الثقافات، وأدبيات المؤسسات الاقتصادية الدولية إلخ..).

 

 

1- جبهة الفلسفة والدفاع عن العقلانية :

 

     استغرق كفاحه داخل هذه الجبهة عمره المهني كاملا (1967 ـ 2002)، وبرزت مواقفه فيها في الأدوار التي مارس في مجال تعليم الفلسفة وتعميم الوعي الفلسفي في المجتمع المغربي منذ منتصف الستينيات، حيث أصدر الجابري صحبة زميليه المرحوم أحمد السطاتي ومصطفى العمري سنة 1966، كتاب “دروس في الفلسفة”، وكان إذ ذاك مسؤولا عن الإشراف التربوي في وزارة التربية الوطنية. ففي هذا العمل الذي ظل كتاباً رسمياً في المدرسة الثانوية المغربية، طيلة ما يزيد عن عقد من الزمن. نتبين بداية انخراط الرجل في مواجهة الأسئلة والمعارك، التي صاحبت وما تزال إلى حدود هذه اللحظة، تصاحب ظروف تعليم الفلسفة في بلادنا.

    وإذا كنا نعرف أن تعليم الفلسفة في مجتمع متخلف، تسود فيه درجات عالية من التفكير التقليدي المحافظ، فإن صدور كتاب دروس في الفلسفة في طبعاته العديدة، شكل تحولا نوعياً في التعليم العصري في المدرسة المغربية. لقد كان الكتاب المذكور يدافع عن برامج تعليمية تستوعب قيماً منفتحة على ثقافة أخرى، ويبني جملة من المفاهيم القادرة على المساهمة في صناعة وعي جديد. ولهذا السبب اعترضت جهات متعددة على الكتاب، وحَرِصَ المرحوم محمد عابد الجابري على إيجاد مخرج مناسب من أجل تحصين تدريس مادة الفلسفة، بالشروط التي تتيح إمكانية تقديمها، وجعلها قادرة على أن تكون عنصر إخصاب في تربة المدرسة والمجتمع المغربي.

    وعندما التحق الجابري بعد ذلك شعبة الفلسفة داخل أول جامعة مغربية بالرباط في أكتوبر من سنة 1967، كانت الجامعة المغربية في بداياتها. وقد عمل ضمن شروط البدايات بكل خَصَائصِها ونواقصها، مكافحاً ومناضلا، حيث مارس صحبة قلة من زملائه تدريس أغلب المواد الفلسفية، يحدوه في ذلك مبدأ ظل ملتزما به طيلة عمره المهني، يتعلق الأمر بتعلمه ثم تعليمه، وذلك بهدف إتاحة الفرص للأجيال القادمة، من أجل أن يكون للفلسفة مسكن كبير في الثقافة المغربية وفي الفكر العربي المعاصر.

    درَّس الجابري في الجامعة تاريخ الفلسفة، كما درس الماركسية والتحليل النفسي، ودرس علم الكلام وابن خلدون في الفكر العربي الإسلامي، ثم ترجم في مجال نظرية المعرفة والإبستمولوجيا، جملة من النصوص لرواد فلسفة العلوم في الفكر الفرنسي المعاصر. وأشرف على الأطروحات الجامعية الأولى داخل قسم الفلسفة بكلية الآداب بالرباط. وخلال ما يقرب من أربعة عقود، لم يتوقف عن العطاء في مجال الدرس الفلسفي داخل الجامعة وفي الندوات الكبرى لكلية الآداب في السبعينات وبداية الثمانينات، وهي الندوات التي شهدت ميلاد طلائع تعليم الفلسفة في الجامعة المغربية، نقصد بذلك الندوات الآتية: (ابن خلدون، ابن رشد، الإصلاح في الفكر العربي الإسلامي، الفلسفة اليونانية والثقافة العربية في سنوات السبعينات ومطلع الثمانينات..).

 

2- جبهة نقد التراث ونقد العقل العربي :

 

    شكلت عناية المرحوم بالظاهرة التراثية مدخلا كبيراً في أعماله الفلسفية والفكرية العامة. ويعرف المتابعون لمساره الفكري أن أطروحته لنيل دكتوراه الدولة في الفلسفة والتي ناقشها عام 1970، كانت في موضوع العصبية والدولة في فكر ابن خلدون.

    لكن ينبغي الإشارة إلى أن الجبهة التراثية في مساره الفكري، كانت عبارة عن جبهة مفتوحة على معارك عديدة، بحكم أن الحدوس الأولى لمشروعه الفكري كانت تستوعب انتباهه إلى خطورة هذه الجبهة. وذلك لأن الموروث التراثي في الثقافة المغربية والعربية كان سجين آليات تكرارية في النظر. ولهذا الأمر كما نعرف أثره في الحياة المجتمعية، وفي الوسائل الثقافية السائدة داخل بنية المجتمع المغربي والعربي. وهنا سينتبه الجابري إلى أن الأدوات التي تعلمها في مختبر درس الفلسفة، يمكن أن تسعف بإيجاد مخرج من هيمنة القراءات التراثية للتراث.

     بدأ المشروع في البداية، منطلقاً من مخاطرة التفكير في مقالات تراثية فلسفية بعينها، مقالة عن الفارابي، مقالة عن الغزالي، ثم مقالات اعتنى فيها بفلسفة ابن رشد، وقد أثمرت عودته إلى هذه المقالات بعدة منهجية وبمفاهيم تنتمي إلى درس الفلسفة المعاصرة، ودروس المنهجية في العلوم الإنسانية، أثمر كل ذلك نتائج جديدة، في مقاربة بعض النصوص والمواقف التراثية ، وقد توجت هذه الأعمال بكتاب أصدر فيه أبحاثه الأولى حول فلاسفة الإسلام يتعلق الأمر بنص " نحن والتراث " الصادر س

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

جراح الروح و الجسد

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 23 يونيو 2010 الساعة: 16:09 م

البستـــــان

 

 

جــراحُ الــرُّوحِ والجسـَـد

رواية الفضيحة وفضيحة الثقافة

 

 

 

 

* محمد ديبو

 

 

* إضـــــاءة :   

 

   نشر الكاتب السوري محمد ديبو مقالا نقدياً في موقع الأوان حول رواية الأديبة المغربية مليكة مستظرف "جراح الروح والجسد" ، وقد قرأتُ المقالَ في حينه ، وسجلتُ عليه بعضَ الملاحظات في تعليقٍ نقديٍّ أرسلته إلى الأوان ، فردَّ عليَّ الأستاذ ديبو مُسوِّغاً ما أطلقه من أحكام نقدية طالت رواية الأديب المغربي الشهير محمد شكري "الخبز الحافي" ، ولم أقتنع بما ورد في دفاعه عن رواية مستظرف ؛ فكتبتُ تعليقاً ثانياً أبيِّنُ ما فيه من تناقض ومقارنة بين أديبين تختلف تجربتهما الأدبية ونصَّيْهِما كلَّ الاختلاف ؛ فُأثار تعليقي الثاني حفيظة الأستاذ ديبو ؛ وردَّ معللا الأحكامَ الواردة في مقاله بأنها تنبثق من محاولة لتأسيس نظريَّة نقديَّة عربيَّة يجهَـدُ في التأسيس لها في مجال النقد عموماً ، وحقل الرواية خصوصاً .

    وعجبْتُ من أن يقولَ ذلك كاتبٌ شابٌّ لا يزال يخطُّ الملامحَ الأولى لتجربته ، ولا يزال يؤسِّسُ لنفسه مساراً مستقلا لمَّا تتوضح ركائزُه بعد ، فكتبْتُ تعليقاً ثالثاً أطالِبُه فيه بأنْ يرسُمَ للمتلقي بعضَ هذه الملامح ، وأن يجيبَ عن الأسئلة التي تتيح له أن يزعُمَ للآخرين تأسيسَ نظرية مستقلة تتطلب بحد ذاتها تجربة نقدية كبيرة لما يخضْها بعد في المجالين النظريِّ والتطبيقيِّ معاً .

   وها أنذا أقومُ بنشر المقالِ / موضوع المناقشة ، وما دار حوله من سجال بيني وبين الأستاذ ديبو نقلا عن موقع الأوان ، وقد أبحْتُ لنفسي أنْ أصحِّحَ بعضَ الأخطاء المطبعيَّة أو النحويَّة أو الإملائية الواردة في تعليقات الأخ ديبو لاعتقادي بأنه كتبها بسرعة ، ولم يولها ما تستحقه من مراجعة لغوية ضرورية قبل الإقدام على إرسالها إلى الأوان .

   ويمكن للراغبين بالاطلاع على المناقشة في صيغتها الأصلية  مراجعة موقع الأوان – زاوية " إصدارات وقراءات " ، وسوف أقوم بنشر ما يرسله الأخ ديبو إلى الأوان حرصاً مني على الأمانة في النقل والمتابعة ، مع الشكر الخالص للأوان والأخ ديبو على جهدهما المتميز ، واحترامهما للرأي والرأي الآخر .   

 

 

* نصُّ المَقال :

 

 

 

     فكرة واحدة لا غير تهيمن عليك بعد أن تنتهي من قراءة "جراح الروح والجسد" للراحلة المغربية مليكة مستظرف. فكرة تنتمي للظلم الذي حاق بهذه الروائية التي رحلت دون أن تلقى احتفاءً نقديّا يليق بما كتبت وأبدعت وفضحت، بل إنّها رحلت وهي مصنّفة ضمن الملعونين والمذمومين والخارجين على القانون، بعد أن قضت عمرها تحتضر ببطء، تخضع لغسيل الكلى ثلاث مرّات أسبوعياً مذ كانت في الرابعة عشرة من عمرها ، وسط تجاهل رسميّ وثقافيّ مفجع.      

     تأخذك "فضائحُها" مباشرة لتقارن بين ما حصدته الراحلة من آلام وتجاهل وتعتيم مقابل ما حصده الروائي المغربي محمد شكري من احتفاء نقديّ وشهرة بعد كتابته "الخبز الحافي"، خاصّة أنّ الروايتين تنتميان إلى ما يمكن تسميته بالنصّ الفاضح، والهاتك، والخارج على كلّ فنون "اللياقة" والكتابة، سواء من ناحية الموضوع الذاهب إلى القاع المغربي بكل وحشيته وعهره، أو موضوع اللغة المستخدمة الخارجة بدورها على كلّ بلاغة جاهزة ومعلّبة.

     لماذا لم تحظ مستظرف بالاحتفاء النقدي؟

    سؤال يخترق الذاكرة والقراءة ويرنّ في البال طويلا، خاصّة أنّ نصّها فاضح وهاتك وعار و"مباشر كطلقة مسدّس" أكثر من نصّ شكري بكثير، من حيث مقاربتها موضوع عائلتها وفضحه كنموذج لكلّ عائلات القاع المغربيّ المنغمس في الفقر والجهل والعهر والغريزة البدائية، وهو الأمر الذي دفع عائلتها إلى التبرّؤ منها ورفضها ونبذها.

     هل ثمّة ذكورية نقدية تبيح للمبدع ما لا تبيحه للمبدعة ؟ هل ثمّة خطوط حمراء لا يجوز للمرأة المبدعة أن تتخطّاها ، خاصة فيما يتعلق بفضح العائلة، لأنّ المرأة هي الأقدر على فضح "الجوانيات" المسكوت عنها، بما تختزنه من حكايات تراها وتعرفها أكثر من الرجل الذي يرى الخارج أكثر ممّا يرى الداخل، وبالتالي فإنّ تشجيع المرأة على الفضح بمثل تلك القسوة التي فضحت بها "مستظرف" سيكون كارثياً على مجتمع يتستّر على فضائحه !!

    هذه أسئلة تحتاج دراسةً معمّقة، وإعادة قراءة لتاريخ الرواية العربية التي كتبتها المرأة، ومقارنة ذلك بما كتب النقّاد عنها قياسا بما كتب عن المبدع الذكر، وذلك كي يتمكّن المرء من الإجابة عليها، وربما كشف فضيحة الثقافة والنقد، المتمثّلة في بروز ذكورية نقدية مضمرة، تسمح للمبدع الذكر بما لا تسمح به للمبدعة الأنثى!!

 

 

* طفولة منتهكة وصمت أعمى :

 

 

     تذهب مليكة مستظرف في رواياتها إلى أقصى ما يمكن أن يصله الفضح والهتك، وأقصى ما يمكن من الشجاعة التي تجعلها تصل إلى ذروة تمسك بها قلمها لتفضح أهلها والعهر المحيط بها، شجاعة تصل حدود التهوّر لتكتب عن نفسها ومعاناتها بمثل تلك الفجاجة والرقّة في آن، فجاجة عالم موحل وغارق في حيوانيته، ورقّة تتمثّل في ذات الكاتبة الضعيفة وهي تواجه وحل هذا العالم متسلّحة بالحلم بعالم هادئ لا وحل فيه ولا اغتصاب، عالم لا وحوش فيه تفترس الطفولة المسالمة، عالم يبدو أنه سيبقى حلما!

    ولا تكتفي الكاتبة بذلك بل كانت تصرّ على القول إلى آخر لحظة من حياتها، بأنها ستذهب إلى أبعد من ذلك، إذ تقول في أحد الحوارات الصحفية معها "لن أبتلع لساني وأصمت، بل سأتقيّأ على وجوهكم كلّ ما ظلّ محبوساً طوال هذه السنين. سأنشر غسيلي الوسخ على الملأ ليراه الجميع. لم يعد يهمّني أحد".

    تبدأ الرواية بمشهد اغتصاب البطلة وهي في الرابعة من عمرها من قبل رجل يقول لها إنّه سيأخذها إلى أبيها، فيأخذها إلى عمارة ويفرغ قذارته عليها، "أحسست يداً مرتعشة تتحسّس صدري ونهدي. أيّ نهد لطفلة لم تتجاوز السادسة؟ لم أعترض. كنت أعرف أنه لا جدوى من المقاومة. استسلمتُ وأنا ألعن كلّ شيء في سرّي".

     وعندما تعود الطفلة إلى المنزل وتخبر أمها، تبدأ بضربها وكأنّها هي المذنبة، وفكرة واحدة تسيطر على الأم لا غير، هل فقدت ابنتها بكارتها أم لا؟ تترك الأمّ كلّ شيء : وضع الطفلة النفسي والاعتداء الذي حصل عليها؟ الجاني؟ الخوف من معرفة الأب بالأمر.. لتركّز على شيء واحد : البكارة التي وحدها تقرّر مصير الفتاة، إن كانت تستحقّ الشفقة أم لا!

    يطمئنّ قلب الأمّ عندما تزفّ إليها القابلة الخبر بأنّ "البكارة سليمة"، ولكن ذلك لا ينقذ الفتاة من الضرب والكيّ بالنار كي تتعلّم ! وفعلا تتعلّم الطفلة أن لا تحكي شيئا بعد الآن، تعيد أسئلتها بينها وبين ذاتها : ماذا فعلت كي أستوجب هذا العقاب؟ وما هو ذلك الشيء المقدّس الموجود بين الفخذين الذي يشير إليه الجميع دون أن يسمّوه باسمه، يخشونه ويحمونه ويومئون إليه بشبق وخوف ومتعة وتبجيل غير معلن… أليس له اسم؟ هذا ما تتساءله الطفلة المهدّدة بكل لحظة، الطفلة التي تعلّمت الصمت واختزان الألم، ممّا يدفع "قدور" الذي يعيش معهم في المنزل، إلى الاعتداء عليها مراراً دون أن تجرأ على التفوّه بكلمة خوفاً من العقاب الذي ينتظرها، وعندما يتمّ اكتشاف أمر " قدور " تعاقب هي مرّة أخرى دون أن تفهم لماذا؟ فإن صمتت تعاقب وإن تكلّمت تعاقب؟ وهي الطفلة المعتدى عليها من قبل وحوش لا قدرة لهم على ردّ شبقهم ومكبوتاتهم الجنسية التي تتفجّر اغتصابا وانتهاكا لطفولتها !

 

 

* النفاق والكذب المتبادل :

 

 

    استطاعت الكاتبة بدهاء أن تعرّي سمة أساسية من سمات مجتمعات الفقر والقاع السفلي للمجتمع، وهي سمة الازدواجية الرهيبة التي يحيا بها الجميع، ويعيشها كقدر لا مفرّ منه، الجميع يعلم ما يجري والجميع ينكر ما يجري، حياة ظاهرة ملؤها التقى والعفّة والإيمان مقابل حياة باطنية ملؤها العهر والرذيلة والانحطاط بأسفه الأشكال التي يمكن أن توجد بها.

    في هذا البرزخ المفتوح على احتمالات الموت، يجد صاحب الضمير نفسه محكوما بالصمت وحده، مؤجّلا "كلامه" إلى وقت ما، خاصة أن لا أحد يصدقه فالناس هنا لا يريدون من يذكّرهم بالحقيقة، وهذا ما يحصل مع البطلة حين تكتشف أنّ أختها تذهب إلى بيت الدعارة بعد أن تكذب على أمّها، وتأخذها معها كي تكون حجّة أمام أمّها وتضطرّ الصغيرة أن تكذب كي لا تبيتها أختها في التواليت عقوبة لها، هكذا تفتح الصغيرة عينيها على عالم القاع بأحطّ أشكاله : عهر مفتوح واستغلال جنسيّ قبيح، وأمّ تصدق ببلاهة حتى عندما تضطرّ الصغيرة لفضح أختها نتيجة شجار بينهما فتكذّبها الأمّ مرّة أخرى !

 

   وعندما تكتشف الأمّ ذلك يكون الأوان قد فات، حيث تقول لها وهي تحتضر: سامحيني يا ابنتي على كل ما فعلته معك في الطفولة أنا جاهلة ولا أعرف شيء في أصول التربية..والدك ألغى شخصيتي وأختك ألغت عقلي".

 

 

*عهر متبادل : 

ذكوريّ معلن وأنثويّ مضمر

 

 

   لعل أقسى مشهد في الفيلم، عندما تتفاجأ البنت العاهرة بأبيها عند باب إحدى شقق الدعارة، وعندما تسأل ماذا يفعل هنا يقال لها إنّه من أهمّ الزبائن المتردّدين على بيوت الدعارة، لنصاب بالصدمة : ماذا لو التقى الأب ابنته في بيت دعارة تنتظره للمتعة ؟

   سؤال يخرج عن حدود المنطق والعقل، ولكنه كاد أن يحصل في مجتمع يمنح الذكر حقّ التبجّح بعهره علنا ويسمح به للأنثى شرط أن يبقى سرّاً ومعتماً وغير معلن!! هذه الازدواجية المرعبة هي ما تسعى مليكة لكسره، وخلخلة أسس بنائه المجتمعيّ عبر تسليط الضوء على أنّ الجميع سواسية في العهر، وأنّه لا فرق بين عاهر وعاهرة، ولعلّ الحوار الدائر بينها وبين أبيها، عندما يشكّ بأفعال زوجته الثانية التي تزوّجها بعد وفاة أمها، إذ يسألها إن كانت زوجته تخونه، فتردّ : إن كنت تخونها فهي حتما خانتك.. ليقول لها بأنّ الرجل ليس كما المرأة فتردّ بأنّهما متساويان في العهر.

   والملفت أنّ هذه الثنائية المتمثلة بالعهر الذكوريّ المضمر والعهر الأنثويّ الموارب، تنسحب بدورها لتكشف عن ثنائيات أخرى مفجعة وغريبة، فالأب المتحدّث في العائلة عن الطهر والأخلاق هو نفسه الذي لا يتوانى عن إشباع غريزته عبر تجواله على الفتيات الصغيرات من مدينة إلى أخرى لتمتيع نفسه، والأخ الذي كانت تصرف عليه أخته أيام جامعته هو نفسه الذي يستيقظ شرفه فجأة ليسألها بعد انتفاء حاجته إلى مالها : من أين مالك؟ والأّم المستفيدة من أموال ابنتها الحرام هي نفسها التي تجد ألف مبرّر ومبرّر (ولو بالعقل الباطن) لأعمال ابنتها، دون أن تتساءل عن ماهيتها، والأختان هما اللتان تتلقّيان من أختهما العاهرة راتبا شهريا لقاء عدم فضحها بعد أن تزوجت وأصبح زوجها يأتيها بالزبائن إلى المنزل!

هكذا إذن، كلّ شيء مسموح ويغضّ النظر عنه باطنا، مقابل ذكورية فجّة ترفع شعار العفّة والأخلاق ظاهرا!!

 

 

*انتقام العدالة وعدالة العهر:

 

 

    رغم انعدام العدالة والقيم في عوالم القاع يبدو أنّ ثمة عدالة خاصة بهذا العالم. عدالة تستمدّ منطقها من غرابة هذا العالم. فالضحية تصبح جلادا لضحية أخرى لا تلبث أن تصبح جلادا بدورها لغيرها، إلى درجة تشعر معها كأنّ هناك ترتيبا خفيا يقود الأمور ويحقّق عدالته على طريقته، فالأب العاهر والمزواج يتزوّج زوجة تخونه في الوقت الذي يخونها فيه، قدور الذي اغتصب البطلة في طفولتها ينتحر بعد اكتشاف زوجته الفرنسية أنه كان يغتصب بناته وأبناءه منها! الأمّ العاهرة تفاجأ بأنّ ابنتها "إلهام" تغتصب من قبل أخيها وابنها لتطردهما من المنزل…هكذا نجد أنّ كلّ ضحيّة تتعرّض لاغتصاب ما يدفعها بدورها للانتقام اغتصابا من أحد آخر، وفق متوالية مرعبة من الاغتصاب والاغتصاب المتبادل، فالجميع ضحايا وقتلة بذات الوقت، فالأمّ ضحية التقاليد التي علّمتها أن تصمت للرجل على كل ما يريد لتكون النتيجة ضياع العائلة، والزوجة الثانية للأب ضحيّة أمّها التي قالت لها "تزوّجي وأحبي من شئت"، وعندما تقول الفتاة لأمّها: ماذا سأفعل برجل لا يجلس في البيت؟ تقول لها الأمّ هذا لحسن حظك فماذا ستفعلين برجل يظل بجانبك العمر كله يخنق أنفاسك؟" لتكون النتيجة الطلاق بعد أن يعرف زوجها بخياناتها المتكررة.

 

 

* مستودع العنف :

 

 

    ولعل من أهم الأشياء التي نلتقطها من قراءة الرواية هو معرفة الأرضية والبيئة التي يتخرج منها العنف، إذ أنّ تلك البيئات المفتوحة على كلّ أشكال الامتهان والعبودية -التي تبدأ من الوعي الأسروي الممهد للقبول بالإذعان للانتهاك الجنسي- تكاد تكون هي المفرّخ الطبيعيّ لكلّ هذا العنف في حياتنا، فالشخصيات المنتهكة والمذلولة ينتهي بها المطاف بعد أن يصل حقدها إلى درجة غير قابلة للاحتمال، إمّا إلى القتل أو الجنون والانتحار.

   ولعلّ مشهداً واحداً نجتزئه هنا يدلّنا على حجم العنف المغروس في اللاوعي، إذ عندما تسأل البطلة صديقتها "إلهام" عن رأيها بطلب أبيها تزويجها لقدور الذي اغتصبها في طفولتها، تقول إلهام : نعم تزوّجيه وفي ليلة الدخلة ضعي له منوّماً واقطعي له عضوه وضعيه حول رقبته".

     وبعدها تقترح عليها أن تعطيه "التوكال" لـ"يبقى طريح الفراش لا هو بميت.. ولا هو بحيّ يتساقط شعره وينحل جسمه يموت ببطء وتتلذّذين بتعذيبه".

    ولعلّ ما سبق يعطي مؤشّرا واضحا على حجم العنف الذي يعتمل في ذوات هذه الشخصيات المسحوقة ولاوعيها، هذا العنف الذي سيتفجّر يوما ولا شكّ إرهاباً وجرائم واغتصاباً !

   ورغم قسوة الشخصيات وجلافتها وانحلال قيمها، إضافة لعهر الوسط الذي تتحدّث عنه مليكة فهي لا تلغي الأمل، إذ أنّ كثافة اليأس وفداحة الخسائر وانغماس الشخصيات في سلبية مطلقة لم تمنعها من رؤية الإنسان في دواخل الشخصيات، الإنسان المهمّش والمستلب والحزين، والباحث بدوره عن فرصة أو منفذ ليطلّ من باطن أكوام القاذورات التي وضعته الحياة في داخلها، وكأنّ مليكة تريد القول إنّ هذه الشخصيات المغرقة في شذوذها وعهرها وتلوّثها يمكنها أن تكون كائنات سويّة لو توفّرت لها شروط حياة صحية تساعدها على الخروج من مستنقعها العفن.

    أخيراً ، يمكن للمرء أن يحزن حقاً على رحيل واحدة من أشجع الروائيات العربيات دون أن تتمكن من كتابة ما كانت تودّ فضحه، وهي القائلة : ليس سهلا أن تقف عارياً وينظر الجميع لعريك. لكن يوماً ما سأتعرّى حتى من ورق التوت. انتهاكات وجرائم كنت ضحيتها ولازلت!! سأحاول نزع بعض الأقنعة وسيرى الجميع كم تبدو وجوهنا كريهة بدون أقنعة. لكن الآن أكتفي بابتلاع لساني والصمت حتى لا أهدر طاقتي من كثرة الحكي لأني لحظة تفجيرها أريدها بركاناً وزلزالا .. أريدها صفعة في وجه كل مدّعي العفّة من سياسيين وقوّادين.. الذين يحيلون أحلامنا إحباطات وأسى."

   هل حقّاً مرّت هذه المرأة المبدعة في حياتنا دون أن ننتبه؟

 

* تعليقات على الموضوع :

 

* أبوظبي / طرطوس : أحمد عزيز الحسين :

19 حزيران ( يونيو) 26: 18

 

     كنت أتمنى من كاتب المقال أن يتحرز في إطلاق الأحكام النقدية على الرواية التي يقرؤها ، وأن يبتعد عن أية مقارنة لها مع رواية محمد شكري "الخبز الحافي" ، إلا إذا شفع مقارنته بتسويغ نقدي كافٍ يبرر المفاضلة المذكورة ، و سببَ تفضيله نصَّ " مليكة مستظرف " على نص " شكري " من وجهة نظر نقدية بحت ، إلا إذا ذهبْنا إلى أن نصَّ " مليكة " يفوق نص "شكري" نفسه ؛ لأنها لقيت قمعاً اجتماعياً مضاعفاً يفوق القمع الذي لقيه " شكري " نفسه بحسب مقال الأخ محمد ديبو.

    وفي ظني أن المفاضلة هنا لا تصح ؛ لأن الكاتب لا يقيمها معتمداً على قراءة لبنية الروايتين اللتين يفاضل بينهما ، وإنما يقيمها من خلال قراءة لما حاق بـ"مليكة " من ظلم ، وما لقيته من تعتيم بالمقارنة مع ما أصابه شكري من شهرة ، وما ناله من حفاوة في أوساط القراء والنقاد معاً. وفي الحالين كليهما فإن الكاتب يعتمد ، في المفاضلة ب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

موت ولد - قصة قصيرة

كتبها أحمد عزيز الحسين ، في 18 يونيو 2010 الساعة: 15:05 م

البستـــــان

  

 

ولــدٌ مــاتَ

 

قصـة قصيـرة

 

 

*محمد إبراهيم طه

 

* إضـــــاءة : 

 

 

   هذه قصة مؤثرة فعلا ، تقيمُ نوعاً من التوازي بين شخصيَّتين متغايرتين تنتسبان إلى نموذج فني واحد هو الطبيب ، وفي حين تُدين القصة الشخصية الأولى ( أستاذ الباطنية ) ، وتكشف عن قسوتها وتحجُّرها ولا إنسانيَّتها من خلال عدم اكتراثها بحياة الناس ، وتعامُلِها معهم على أنهم أرقام أو جثث محتملة لا أكثر ؛ تعلنُ انضمامَ الثانية ( طالبة الطب / مريم ) إلى صنف مغاير يحترم ماهيَّة الإنسان ، ويرى فيه نموذجاً جديراً بالتقديس والاحترام والحياة ، ويطالب بمعاملته على أنه روحٌ وكائنٌ رهيفٌ يستحق الرعاية والاهتمام .

   والقصة تضعُ كلَّ شخصية في الموقف الذي يكشف عن جوهرها ومعدنها الأخلاقي المحدد ، دون أن تتدخل بشكل مباشر في الإيحاء بالصفات التي تتحلى بها ، وإنما تفسح المجال لهذه الصفات كي تتكشف في الشخصية من خلال الفعل السردي لا الوصف المباشر ، ولذا يبدو الوصفُ في المتن الحكائي لاحقاً لا سابقاً ، وسردياً لا تزيينياً ؛ لأنه يتقصَّد تصويرَ الشخصية في حالة الفعل ضمن برهة محددة من الزمن السردي ، دون أن يصرح بما تكتنزه هذه الشخصية من صفات أو ملامح أخلاقية محددة .

    ويعتمد الكاتب في تشكيله للمستوى الدلالي ، في متن القصة ، على تقنية المفارقة ، ويكشف لنا ، في الخاتمة السردية لها ، عن التباين بين الشخصيتين اللتين يصورهما ، ذاهباً إلى أن لكلٍِّ منهما تصوراً مغايراً للإنسان ، يفضي به إلى سلوك عملي محدد يجلو موقفَه من هذا الإنسان وتبنيَه للصفات التي تكشف عن مفهومه للحياة بشكل عام .

   وما من شك في أن مفهوم المفارقة الذي استعانت القصة ببلورته ليس سوى وسيلة أو عنصر واحد في شبكة مفهومات أو منظومة قيم تحاول تفسيرَ العالم وفهمَه واستيعابَه جمالياً ، والحكمَ عليه . وإذا جاز لنا تصنيفها وتحديدُ مفهومِها في هذه القصة ؛ فيمكننا وضعها في حقل  مفارقة التنافر ؛ لأنها تنحو إلى إقامة نوع من التجاور أو التضاد بين نموذجين بشريين متباينين وصولا إلى هجاء أحدهما والحكم الأخلاقي عليه ، وهو التجاورُ الذي يكشف عن الفارق الكبير بين حقيقة الشخصية والمظهر الذي تتجلى فيه ، ويصل إلى أن العلاقة بينهما ليست علاقة تشابه أو تعادل ، وإنما هي علاقة تعارض أو تناقض أو تباين أو تنافر أو عدم اتساق ، كما يقول شفالييه ( موسوعة المصطلح النقدي ، د. سي . ميويك ، ترجمة عبد الواحد لؤلؤة ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، ط1، 1993، ص166) .

ومع أن النموذج الذي تهجوه القصة يتبوأ مكانة رفيعة في مجتمعه ، ويحظى بهالة كبيرة تتيح له أن يكون نافذ الرأي وكبير التأثير في البنية الاجتماعية التي يعيش فيها ، إلا أنه لا يمتلك أي قناع يتخفى به عن عيون الآخرين في القصة ، ولا يستخدم أي شكل من أشكال الخداع لهم ، وإنما هو يمارس حياته ، ويعيش قناعاته بشكل عادي ، ويعبر عما يعتنقه من قيم من خلال اللغة التي يستخدمها ، وليس لديه أي شكل من أشكال المراوغة ليتخفى عنهم ، أو ليحجب شخصيته الحقيقية ، وعندما أعلن عن رأيه في الوضع الصحي للطفل ، وتكهَّن بأنه سيموت لا محالة ؛ ألقى ملاحظته دون أي انفعال يشي بتأثره لحال الطفل وتعاطفه معه ، وهذا ما جعل الشخصية الأولى المتعاطفة معه ( مريم ) تقرر تركَ دراسة الطب ، والانتقالَ إلى حقل علمي آخر يعلي من شأن الإنسان ، ويولي حياته ومصيره عناية أكبر مما يفعل اختصاص الطب عموماً ، و الباطنية خصوصاً ؛ ولذا نستطيع أن نقول إن شخصية " مريم " لديها حس بالمفارقة ، وقدرة على اكتشاف ما تستبطنه شخصية أستاذها من تناقض لا يتناسب مع ما كانت تتخيله فيه من سمو واهتمام بمصير الإنسان ككل ، وهذا ما جعلها تصاب بصدمة عاطفية جراء موقفه اللامبالي من مصير الطفل المرتقب ، وعزز من حسها الضروري بالتضاد بين ما كان يفترضه مظهره من تصرف و( بين ) ما تكشف من حقيقة يختزنها جوهره الخبيء .

    ويبدو لي أن الخاتمة السردية هي التي عززت من حس المفارقة في القصة ، وكشفت لنا عن التباين بين الشخصيتين ، وما كان منتظراً أن يؤول إليه حال كل منهما من تصرف حيال مصير الطفل المنتظر ، وفي حين كانت ( مريم ) تتوقع أن يكون موقف أستاذها من مصير الطفل أكثر إنسانية ونبلا مما جرى ؛ فإن الذي حدث أن الأستاذ أبدى عدم اكتراثه بموت الطفل ، وعبر عن موقفه بلغة حيادية باردة ليس فيها أي نوع من العواطف السامية التي كانت تتوقع أن تختزنها شخصيته ، ولهذا أصيبت بصدمة من موقفه ، وقررت إيقاف دراستها للطب تماماً .

 ويبدو لي كمتلقٍ أن الكاتب وفر لقصته متناً حكائياً متوازناً ، ولغة قصصية شديدة الاختزال والتكثيف ، وأبعدها عن الترهل والحشو اللذين تقع فيهما معظم القصص القصيرة التي نقرؤها بين والآخر في صحافتنا الثقافية .

وقد بدا لي ، بعد انتهائي من قراءتها ، أنني غدوت أكثر توازناً مما كنت قبل ذلك ؛ إذ شعرت أن الحياة المتخيلة التي شكلتها القصة توهم بحي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي